تركيا تريد مضاعفة تجارتها مع سوريا.. هل يملك السوق السوري القدرة على استيعابها؟

تتسارع التجارة بين سوريا وتركيا، فيما تستهدف أنقرة رفعها إلى 10 مليارات دولار. لكن وراء نمو الصادرات تظهر فجوة أساسية: شركات تركية تبحث عن وكلاء وموزعين، وسوق سورية تحتاج إلى التمويل والسيولة لتحويل الفرص إلى عقود فعلية.

دمشق- فاطمة عمراني

في أحد أجنحة الشركات التركية في معرض دمشق الدولي، كان البحث عن شريك سوري جزءًا من الحديث بقدر البحث عن زبون لشراء المنتج. فالمشاركة في المعرض، بالنسبة إلى الشركات القادمة من تركيا، لا تنتهي عند عرض السلع؛ الهدف هو العثور على تاجر أو موزع قادر على تحويل هذا الحضور إلى تجارة مستمرة. لكن الطريق إلى ذلك الشريك لا يبدو متاحًا بالسهولة نفسها لجميع الشركات.

تقول ماسة كبريتة، من اتحاد المصدرين الأتراك للمنتجات الغذائية، في تصريح خاص لموقع “بزنس2بزنس” خلال المعرض، إن الشركات التركية تأتي إلى سوريا بحثًا عن فرص للتعاون التجاري، إلا أن بعضها يواجه صعوبة في العثور على موزعين سوريين مناسبين. وبرأيها، تمثل القدرة المالية أحد أبرز ما تحتاجه السوق السورية اليوم، رغم امتلاك السوريين، بحسب وصفها، أفكارًا وقدرات تؤهلهم للدخول في هذه الشراكات.

- Advertisement -

يأتي هذا التصريح في وقت تتحرك فيه التجارة بين البلدين باتجاه توسع سريع، وتستهدف أنقرة رفع حجم التبادل التجاري مع دمشق إلى 10 مليارات دولار. وبين شركات تركية تبحث عن وكلاء وموزعين، وتجار سوريين يسعون إلى استعادة قدرتهم على تمويل النشاط التجاري، تبرز فجوة بين الرغبة في توسيع التجارة والقدرة على تنفيذها على الأرض.

تجارة تتقدم بأرقام كبيرة

تظهر أرقام الأشهر الأخيرة أن العلاقة التجارية بين سوريا وتركيا دخلت بالفعل مرحلة توسع متسارعة، حيث قال وزير التجارة التركي عمر بولاط، في تصريحات نقلتها وكالة الأناضول في تموز، إن حجم التجارة بين البلدين وصل إلى نحو 3.75 مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 40 بالمئة، موضحًا أن تركيا وسوريا تستهدفان رفع الرقم إلى 10 مليارات دولار مستقبلًا.

وفي آب، قال بولاط في تصريح نقلته وكالة الأنباء السورية سانا إن حجم التجارة بلغ نحو 2.2 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بزيادة تجاوزت 16 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وأشار إلى فرص توسع التعاون في قطاعات تشمل الصناعة والأغذية والطاقة والبنية التحتية ومواد البناء والآلات والتكنولوجيا.

ومن الجانب التركي، تعكس بيانات الصادرات نموًا مماثلًا، فقد بلغت صادرات تركيا إلى سوريا خلال النصف الأول من 2026 نحو 1.284 مليار دولار، بزيادة 26.4 بالمئة عن الفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات مجلس المصدرين الأتراك التي نقلتها وكالة الأناضول. وارتفعت كمية الصادرات خلال الفترة نفسها بنسبة 36.6 بالمئة، إلى أكثر من 3.18 ملايين طن.

وتوزعت الصادرات على قطاعات متعددة، تصدرتها منتجات المطاحن، ثم الأسمنت، فالمنتجات الكهربائية والطاقة، وفق البيانات ذاتها. ويعني ذلك أن الحضور التركي في السوق السورية يتجاوز قطاعًا واحدًا أو نوعًا محددًا من السلع، ويمتد إلى مجموعة واسعة من احتياجات السوق.

- Advertisement -

لكن ارتفاع حجم البضائع المتجهة إلى سوريا لا يجيب وحده عن سؤال الشركات التركية حول كيفية توسيع حضورها التجاري داخل البلاد. فزيادة الصادرات تحتاج إلى شبكة محلية تتولى الاستيراد والتوزيع والتسويق، وإلى قدرة مالية تسمح للشريك السوري بتمويل هذه العمليات.

وتتطالعون أيضا: صادرات تركيا إلى سوريا تتجاوز 1.28 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026

من البيع إلى بناء شبكة توزيع

هذا الجانب بدا حاضرًا بوضوح في معرض دمشق الدولي، الذي شكل مساحة للقاءات مباشرة بين الشركات التركية ورجال الأعمال السوريين، وكالة الأناضول قالت إن الشركات التركية المشاركة عبر 33 جناحًا عقدت لقاءات مع رجال أعمال ومشترين سوريين لبحث فرص التجارة والاستثمار.

تقدم هذه الحالة صورة عن نوع الشراكة التي تسعى إليها شركات تركية عند دخول السوق: وكيل محلي يستطيع استيراد المنتج وتمثيله وتسويقه، ويمتلك في الوقت نفسه معرفة بالسوق وشبكة علاقات تسمح بتوزيع السلعة، وتزداد أهمية هذه الحلقة كلما كان المنتج بحاجة إلى حضور مستمر داخل السوق بدل عمليات بيع متفرقة. فالوكيل أو الموزع يصبح عمليًا حلقة الوصل بين المصنع التركي والمستهلك السوري، ويتحمل جزءًا من كلفة التخزين والتسويق والتوزيع وتحصيل المدفوعات.

وفي هذا السياق، تبدو ملاحظة كبريتة بشأن صعوبة العثور على موزعين سوريين مناسبة لفهم ما يجري وراء أرقام التجارة المتصاعدة: السوق تحتاج إلى شركاء محليين قادرين على استيعاب السلع، وليس إلى طلب استيراد عابر فقط.

أين تقف القدرة المالية؟

عندما تقول كبريتة إن ما ينقص السوق السورية هو المال، فإن المسألة تتصل بالمرحلة التي تبدأ بعد الاتفاق بين المصنع والمستورد، فالموزع يحتاج إلى رأس مال لشراء البضاعة، وتمويل عمليات الشحن والتخزين، وتحمل الفترة الفاصلة بين دفع ثمن المنتج وبيعه في السوق. وكلما ارتفعت قيمة الطلبية أو توسعت شبكة التوزيع، ارتفع حجم السيولة المطلوبة للدخول في الصفقة، ويبدو أن التمويل بات جزءًا من النقاش الرسمي حول تطوير العلاقات التجارية السورية التركية أيضًا.

ففي نيسان، قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في تصريح نقلته «سانا»، إن المصرف كان يعمل على إنشاء حساب مراسل مع الجانب التركي بهدف تطوير العلاقات النقدية والمصرفية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار بين البلدين. وأشار إلى اهتمام بنوك تركية بدخول السوق السورية، ضمن مسار يهدف إلى توسيع أدوات تمويل التجارة.

وفي تموز، أعلن البنك المركزي التركي توقيع اتفاق مع مصرف سوريا المركزي يسمح بفتح حساب وديعة بالليرة التركية باسم المصرف السوري لدى البنك المركزي التركي، في خطوة تأتي ضمن تعزيز التعاون النقدي بين البلدين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه مؤسسات الأعمال السورية أيضًا إعادة بناء خبرتها في أدوات تمويل التجارة. ففي تموز، نظمت غرفة تجارة حمص ورشة متخصصة بتمويل التجارة الدولية، تناولت أدوات تمويل عمليات الاستيراد والتصدير والخدمات المصرفية المرتبطة بها، بحسب «سانا».

وإذا كانت الشركات التركية تبحث عن موزعين، فإن قدرة هؤلاء الموزعين على تمويل الشراء تصبح جزءًا أساسيًا من المعادلة. فوجود الوكيل على الورق لا يكفي لإتمام التجارة ما لم يمتلك رأس المال أو يستطيع الوصول إلى أدوات تمويل تسمح له بتحويل الاتفاق إلى طلبية فعلية.

ليس كل من يبحث عن موزع يواجه المشكلة نفسها

المقابلات التي أجراها موقع بزنس2بزنس داخل المعرض تظهر أن تجربة الشركات التركية تختلف بحسب القطاع ونموذج العمل، فـ كبريتة تشير إلى صعوبة تواجهها بعض الشركات في العثور على موزعين، فيما تقول شركة تركية أخرى، وفق ما نقلته الأناضول من المعرض، إنها خرجت من مشاركتها بوكلاء جدد.

وهذا التباين مهم إذ يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب الرغبة السورية في التعاون، وإنما بمواصفات الشريك الذي تبحث عنه الشركة، وحجم الاستثمار المطلوب، وقدرته على التمويل، وطبيعة المنتج، وحجم السوق الذي يستطيع تغطيته.

وتؤكد تحركات غرف التجارة السورية والتركية أهمية بناء هذه الصلات، ففي أيار، بحثت غرفة تجارة ريف دمشق مع شركة تركية فرص التعاون في الزراعة والصناعات الغذائية والاستثمار والتسويق، بالتزامن مع التحضير لفعالية غذائية تركية في دمشق بمشاركة عشرات الشركات، وفق ما نقلته «سانا»، كما شهد المعرض لقاءات أعمال مباشرة بين الشركات، في محاولة للانتقال من المشاركة العامة إلى شراكات محددة.

و تقرؤون المزيد: سوريا و تركيا تبحثان تطوير منطقة حرة في إدلب وجذب الاستثمارات والشركات التركية

الرهان يتجاوز السوق السورية

ولا يبدو أن اهتمام الشركات التركية بسوريا مرتبط بحجم الطلب المحلي وحده، فمصطفى غول تبه، رئيس مجلس المصدرين الأتراك، قال في تصريحات نقلتها وكالة الأناضول إن تركيا تنظر إلى سوريا بوصفها جسرًا تجاريًا نحو دول الخليج، في إطار رؤية أوسع للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.

هذا الموقع يمنح سوريا أهمية إضافية بالنسبة إلى الشركات التركية التي تنظر إلى السوق بوصفها نقطة ضمن شبكة إقليمية أوسع، خصوصًا مع الحديث عن تطوير النقل واللوجستيات وفتح قنوات تجارية جديدة.

وبذلك، تصبح قدرة السوق السورية على توفير شركاء محليين وتمويل عمليات الاستيراد ذات أثر يتجاوز حجم المبيعات داخل البلاد نفسها. فالشريك السوري قد يكون جزءًا من شبكة إقليمية أكبر تستطيع الاستفادة من موقع سوريا في حركة البضائع بين تركيا والأسواق العربية.

من أرقام التجارة إلى اختبار السوق

على أرض المعرض، تبدو المسألة في النهاية أكثر بساطة من الخطط المعلنة: شركة تركية تحمل منتجاتها وتبحث عن سوق، وتاجر سوري يحاول تقدير قدرته على استيرادها وبيعها.

الأرقام الحالية تمنح العلاقة التجارية زخمًا واضحًا، والهدف المعلن برفع التجارة إلى 10 مليارات دولار يرفع سقف الطموح أكثر. لكن الوصول إلى هذا الرقم يحتاج إلى منظومة تبدأ من الاتفاق بين الشركات ولا تنتهي عند توقيع مذكرة تفاهم.

وتبقى الأسئلة الأكثر حساسية مرتبطة بتفاصيل العمل اليومي: هل يستطيع المستورد السوري تمويل طلبية كبيرة؟ هل توجد أدوات مصرفية كافية لتسهيل الدفع؟ هل يمكن للشركات التركية العثور على موزعين يغطي كل منهم قطاعًا أو منطقة؟ وهل تتحول لقاءات معرض دمشق الدولي إلى عقود واستيراد منتظم؟

من هذه الزاوية، تبدو قصة التجارة التركية السورية اليوم أقل ارتباطًا بعدد الشركات الموجودة في المعرض، وأكثر ارتباطًا بقدرة السوق على بناء الحلقة التي تصل المصنع التركي بالتاجر السوري، وتموّل هذه الحلقة وتضمن استمرارها.

فالطريق إلى هدف الـ10 مليارات دولار يمر، في جزء منه، عبر سؤال أبسط بكثير: من سيشتري البضاعة، ومن سيموّلها، ومن سيوصلها إلى السوق؟

Exit mobile version