يعود الجدل حول التوقيت الصيفي من جديد في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم، ومع توسع أنماط العمل الرقمي والاعتماد المتزايد على التشغيل المستمر على مدار الساعة، باتت جدوى تغيير التوقيت مرتين سنوياً محل نقاش واسع بين خبراء الاقتصاد والطاقة والصحة.
على مدى عقود، اعتُبر التوقيت الصيفي وسيلة تهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة عبر الاستفادة من ساعات النهار الأطول، إلا أن هذا الافتراض لم يعد محسومًا في الوقت الحالي، مع تغيّر أنماط الحياة والعمل وتراجع الاعتماد على الإضاءة التقليدية في مقابل ارتفاع استهلاك الطاقة في مجالات أخرى مثل التبريد والتكنولوجيا.
وحسب فوربس تعود جذور فكرة التوقيت الصيفي إلى مقترحات مبكرة نُسبت إلى بنجامين فرانكلين، قبل أن تتطور لاحقاً على يد عالم الطبيعة جورج هدسون في أواخر القرن التاسع عشر، ثم تبنّتها دول عدة بشكل رسمي خلال الحرب العالمية الأولى، بدءاً من ألمانيا عام 1916، ثم الولايات المتحدة عام 1918، بهدف ترشيد استهلاك الوقود والطاقة.
ورغم الانتشار الواسع للنظام في بداياته، تشير دراسات حديثة إلى أن الأثر الفعلي للتوقيت الصيفي على توفير الطاقة محدود نسبياً، إذ لا يتجاوز في بعض الحالات نسبة تتراوح بين 0.5% و1% من إجمالي الاستهلاك، مع اختلاف النتائج باختلاف طبيعة الدول وأنماط استهلاكها.
ويُطبق التوقيت الصيفي اليوم في نحو 70 دولة حول العالم فقط، في حين تخلّت دول عديدة عنه أو أوقفت تعديله، واعتمدت دول عربية مثل سوريا والأردن نظام التوقيت الثابت طوال العام منذ عام 2022، بينما ما زالت دول أخرى مثل المغرب ومصر تعتمد النظام مع استمرار الجدل حول جدواه.
في السياق العربي، لا يزال النقاش قائماً حول الفوائد الاقتصادية للتوقيت الصيفي، حيث يرى بعض الخبراء أن تأثيره الإيجابي يتركز في قطاعات محدودة مثل النقل والسياحة وبعض الأنشطة المرتبطة بالتوقيت الأوروبي، بينما يشير آخرون إلى غياب بيانات حاسمة تثبت تحقيق وفورات كبيرة في الطاقة.
أما في مصر، فيرتبط الجدل بشكل أكبر بملف استهلاك الكهرباء، حيث يساهم ارتفاع استخدام أجهزة التبريد في تقليل أثر التوفير الناتج عن تقليص ساعات الإضاءة، ما يجعل الفائدة الاقتصادية محدودة نسبياً رغم تطبيق النظام.
في المقابل، يبرز البعد الصحي كأحد أهم محاور النقاش، إذ يحذر مختصون من أن تغيير التوقيت مرتين سنوياً قد يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية، ما ينعكس على جودة النوم والإنتاجية والحالة المزاجية، خاصة لدى الفئات الأكثر حساسية مثل الأطفال وكبار السن والعاملين بنظام الورديات.
وبين الاعتبارات الاقتصادية والتأثيرات الصحية، يبقى التوقيت الصيفي نظاماً مثيراً للجدل، تتجدد حوله الأسئلة في كل عام حول مدى ملاءمته لعصر تتغير فيه أنماط العمل والاستهلاك بشكل متسارع، وما إذا كان ما يزال يمثل أداة فعالة أم ممارسة تقليدية فقدت جزءاً من جدواها.
