حذّر صندوق النقد الدولي من أن الطفرة السريعة في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تسهم في زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، ليس فقط نتيجة ارتفاع تكاليف الرقائق الإلكترونية وسلاسل الإمداد، بل أيضاً بسبب تأثير غير مباشر يتمثل في ارتفاع ثروات المستهلكين وزيادة إنفاقهم.
وقال كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه غورينشا في مقابلة مع وكالة “بلومبرغ” في واشنطن، إن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي أدت إلى تضخم كبير في تقييمات الشركات المدرجة، خصوصاً في أسواق الأسهم الأميركية وبعض الأسواق الآسيوية مثل كوريا الجنوبية، ما خلق ما يُعرف بـ”أثر الثروة” الذي قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وأوضح غورينشا أن الارتفاع القوي في أسهم شركات التكنولوجيا ينعكس مباشرة على المحافظ الاستثمارية وصناديق التقاعد، ما يمنح المستهلكين شعوراً بزيادة الثروة ويشجعهم على رفع مستوى الإنفاق على السلع والخدمات مثل السفر والعقارات والمشتريات الكبيرة، وهو ما يضيف بدوره ضغوطاً إضافية على معدلات التضخم.
وأشار إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد لا يقتصر على جانب واحد، بل يمتد عبر قناتين رئيسيتين: الأولى مرتبطة باضطرابات سلاسل التوريد والاختناقات الإنتاجية، والثانية تتعلق بزيادة الطلب الاستهلاكي، وكلاهما يدفع باتجاه ارتفاع الأسعار.
وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن بعض شركات التكنولوجيا بدأت بالفعل بتمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين، حيث رفعت شركات كبرى مثل آبل أسعار عدد من أجهزتها بسبب ارتفاع تكلفة مكونات الذاكرة والتخزين، فيما أعلنت مايكروسوفت زيادات جديدة في أسعار أجهزة الألعاب “إكس بوكس”، مدفوعة بارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بطفرة مراكز البيانات.
ويأتي هذا الجدل في وقت يستعد فيه غورينشا لمغادرة منصبه في صندوق النقد الدولي والعودة إلى العمل الأكاديمي، بعد فترة شهدت خلالها الأسواق العالمية واحدة من أكبر موجات التضخم منذ عقود، مدفوعة بأزمات الطاقة واضطرابات ما بعد الجائحة.
وبحسب غورينشا، فإن السؤال الأهم حالياً يتمثل في كيفية انعكاس هذه التطورات على توقعات التضخم لدى الأسر، خاصة بعد تجربة ارتفاع الأسعار الأخيرة التي لا تزال حاضرة في وعي المستهلكين، ما يجعلهم أكثر حساسية لأي زيادات جديدة في الأسعار.
كما أشار إلى أن التحديات الاقتصادية العالمية لا تقتصر على الذكاء الاصطناعي، بل تشمل أيضاً استمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، إلى جانب الضغوط المالية المتزايدة على الدول نتيجة ارتفاع الدين العام وتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض.
واختتم بالتأكيد على أن المعادلة الاقتصادية العالمية أصبحت أكثر تعقيداً، في ظل ضعف القدرة على زيادة الإيرادات العامة في العديد من الدول، ما يضع الحكومات أمام تحديات صعبة في إدارة الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي في آن واحد.
