أعادت الزيارة التي أجراها وفد حكومي سوري إلى مدينة هيروشيما اليابانية فتح النقاش حول ملف إعادة إعمار سوريا، في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد لإصلاح ما خلفته سنوات الصراع من أضرار واسعة في البنية التحتية والقطاعات الخدمية.
وهدفت الزيارة إلى الاطلاع على التجربة اليابانية في التعافي بعد الكوارث والدمار، والاستفادة من خبراتها في التخطيط العمراني وإدارة مراحل إعادة البناء، ضمن مساعي الحكومة للاستفادة من التجارب الدولية التي نجحت في تجاوز آثار الحروب والأزمات.
ورغم الاهتمام بالنموذج الياباني، يرى مختصون أن هيروشيما ليست التجربة الوحيدة التي يمكن الاستفادة منها، إذ قدمت دول عدة نماذج مختلفة لإعادة الإعمار، حقق بعضها نجاحاً ملحوظاً، بينما واجه البعض الآخر تحديات مرتبطة بالعوامل السياسية أو الاقتصادية أو الإدارية وذلك حسب ما نقل موقع تلفزيون سوريا.
إعادة الإعمار تحتاج إلى رؤية وطنية
يؤكد المختص في الحوكمة وإعادة الإعمار، المهندس سلطان بكاريه، أن المشكلة الأساسية في سوريا لا تكمن في غياب النماذج العالمية، وإنما في الحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة تقود عملية إعادة الإعمار وتحدد أولوياتها.
وأوضح أن ما يجري حالياً يقتصر إلى حد كبير على أعمال ترميم وإعادة تأهيل محدودة، بينما تتطلب المرحلة المقبلة خطة شاملة تحدد الاحتياجات، وتنسق بين مختلف الجهات الحكومية، وتؤسس لإطار قانوني وإداري واضح لإدارة هذا الملف الحيوي.
وأشار إلى أن استمرار عمليات البناء بشكل متفرق أو غير منظم قد يخلق تحديات عمرانية يصعب معالجتها مستقبلاً، خاصة في المدن التي تعرضت لدمار واسع، داعياً إلى إنشاء هيئة وطنية متخصصة تتولى الإشراف على ملف إعادة الإعمار، وتنسق بين الوزارات والإدارات المحلية والجهات الداعمة لضمان توجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر أهمية.
ويرى بكاريه أن نجاح أي مشروع لإعادة الإعمار يبدأ بتلبية احتياجات المواطنين الأساسية، مثل توفير السكن الآمن، وإعادة الخدمات العامة، وصون حقوق الملكية، قبل الانتقال إلى تنفيذ المشاريع الكبرى، مؤكداً أن نجاح الإعمار يقاس بتحسين جودة حياة السكان وليس فقط بعدد الأبنية الجديدة.
تجارب عالمية يمكن الاستفادة منها
ويعتبر بكاريه أن التجربة اليابانية تشكل نموذجاً مهماً في مجالات التخطيط الحضري وإدارة المدن بعد الكوارث، إلا أنه شدد على أن سوريا ليست بحاجة إلى استنساخ تجربة بعينها، بل إلى صياغة نموذج خاص يجمع أفضل الممارسات العالمية بما يتناسب مع الواقع المحلي.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة أيضاً من التجربة الألمانية في إعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية، وتجربة البوسنة في معالجة قضايا الملكية العقارية بعد النزاعات، إضافة إلى خبرات دول أخرى في إزالة الأنقاض، وتشغيل اليد العاملة، وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وأضاف أن نجاح هذه التجارب لم يكن مرتبطاً فقط بحجم التمويل، بل بوجود قوانين واضحة، ومؤسسات فعالة، وخطط منظمة تستجيب لاحتياجات السكان، وهو ما يجعل تكييف هذه الخبرات مع الظروف السورية أكثر أهمية من نقلها كما هي.
بناء المؤسسات أساس نجاح الإعمار
من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي محمد زكوان كوكا أن إعادة الإعمار لا تقتصر على تشييد المباني أو إصلاح الطرق، بل تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة مرحلة التعافي.
وأوضح أن سوريا ما تزال تمر بمرحلة التعافي، التي تسبق إعادة الإعمار الشاملة، وتتطلب تعزيز كفاءة المؤسسات العامة، وترسيخ الأمن، وتطوير البيئة القانونية والإدارية التي تنظم عمل الدولة.
وأكد أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في تجاوز آثار الحروب اعتمدت على مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد وتنفيذ المشاريع ومراقبة الإنفاق بكفاءة، وليس على التمويل وحده.
وأضاف أن تطوير التشريعات، وتعزيز مبادئ الحوكمة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري، تعد عوامل أساسية لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، لأن المستثمر يبحث بالدرجة الأولى عن بيئة مستقرة تحمي استثماراته وتوفر وضوحاً قانونياً وإدارياً.
كما لفت إلى أن الاعتماد على المساعدات أو القروض الخارجية لا يمكن أن يكون خياراً دائماً، في حين يمثل الاستثمار المحلي والقطاع الخاص أحد أهم المحركات القادرة على دعم الاقتصاد خلال مرحلة التعافي.
دروس النجاح والإخفاق
ويتفق الخبراء على أن التجارب العالمية تقدم لسوريا دروساً مهمة، سواء من الدول التي نجحت في إعادة البناء مثل اليابان وألمانيا ورواندا، أو من التجارب التي واجهت صعوبات، كما حدث في العراق، حيث أثرت مشكلات الفساد وضعف المؤسسات والانقسامات السياسية في إبطاء مشاريع إعادة الإعمار رغم توافر الموارد المالية.
ويؤكد الباحثون أن الاستثمار في الإنسان يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية وطنية، من خلال تطوير التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتأهيل الكوادر المهنية، والاستفادة من التكنولوجيا والحوكمة الرقمية لتعزيز الشفافية والحد من الفساد.
كما يشددون على ضرورة أن تنطلق خطط إعادة الإعمار من احتياجات المواطنين الفعلية، مع حماية حقوق الملكية، وتنظيم عمليات البناء وفق مخططات عمرانية مدروسة تمنع التوسع العشوائي وتضمن جودة البنية التحتية.
وفي المحصلة، يرى المختصون أن إعادة إعمار سوريا ليست مجرد مشروع هندسي، بل عملية تنموية متكاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والمؤسسية، وأن نجاحها يعتمد على بناء مؤسسات قوية، ووضع أولويات واضحة، وتحقيق توازن بين إعادة بناء الإنسان والعمران، بما يضمن تعافياً مستداماً وتنمية طويلة الأمد.
