لم تعد محلات العطارة تقتصر على بيع الأعشاب والبهارات التقليدية، إذ باتت العديد منها تعرض مستحضرات وخلطات عشبية تُسوّق على أنها حلول لعلاج أمراض متعددة، رغم أن جزءاً كبيراً منها يُباع دون أي بطاقة تعريف توضح المكونات أو بلد المنشأ أو الجهة المنتجة، ما يثير تساؤلات حول سلامة هذه المنتجات ومدى خضوعها للرقابة.
وخلال جولة ميدانية في عدد من محلات العطارة بدمشق، لوحظ انتشار عبوات وأكياس غير معرّفة إلى جانب لافتات تروّج لفوائد علاجية واسعة للأعشاب والخلطات، في وقت يزداد فيه اعتماد المستهلكين على التجارب الشخصية والمحتوى المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفقاً لصحيفة الثورة السورية.
إقبال متزايد رغم غياب المعلومات
تقول منى اللحام، وهي مدرسة، إنها اعتادت شراء الأعشاب والخلطات من أحد محلات العطارة منذ سنوات، دون أن تنتبه إلى وجود بطاقة بيان أو معلومات عن المنتج، مؤكدة أنها تعتمد على خبرة البائع وتعتقد أن المنتجات الطبيعية أكثر أماناً.
أما مجدي زين، فيوضح أنه لجأ إلى الأعشاب بعد تجربة عدة وسائل لعلاج آلام المفاصل دون الوصول إلى النتائج المرجوة، مشيراً إلى أن توصيات أشخاص خاضوا تجارب مماثلة شجعته على شراء خلطات عشبية، رغم أنها كانت تُباع دون أي بيانات توضح مكوناتها أو مصدرها.
الصيدلاني: المشكلة ليست في الأعشاب بل في المعلومات المغلوطة
يرى الصيدلاني وصاحب محل عطارة منصور الخطيب أن المشكلة لا تكمن في مهنة العطارة نفسها، وإنما في انتشار معلومات غير دقيقة حول الأعشاب والمنتجات التي تُطرح في الأسواق دون ضوابط علمية واضحة.
وأوضح أن كثيراً من الأشخاص ينجذبون إلى الوعود العلاجية السريعة المنتشرة عبر الإنترنت، لافتاً إلى أن الاعتقاد السائد بأن كل منتج طبيعي آمن هو مفهوم غير صحيح.
وأشار إلى أن الدراسات العلمية تؤكد أن بعض النباتات قد تمتلك فوائد علاجية، لكنها في المقابل قد تسبب آثاراً جانبية خطيرة إذا استُخدمت بجرعات غير مدروسة، مؤكداً أن تقييم أي نبات طبي يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية وليس إلى المعتقدات الشعبية.
وسائل التواصل تزيد انتشار الادعاءات الطبية
وبيّن الخطيب أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في انتشار معلومات صحية مضللة، مع ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم على أنهم “خبراء أعشاب” أو “استشاريون في التغذية” دون امتلاك مؤهلات علمية تؤهلهم لذلك.
وضرب مثالاً بما يتم تداوله حول مادة البربرين، موضحاً أن بعض المنتجات التي تباع بهذا الاسم لا تحتوي على المادة الأصلية، وإنما تُسوّق بمواد مختلفة بهدف تحقيق أرباح تجارية، في حين يشتريها المستهلك معتقداً أنها تساهم في علاج السكري أو أمراض أخرى.
وأكد أن الدواء، سواء كان عشبياً أو دوائياً، يجب استخدامه وفق الحاجة وتحت أسس علمية واضحة، وليس استناداً إلى الدعاية أو التجارب الفردية.
لقب “خبير أعشاب” بلا ضوابط
ولفت الخطيب إلى أن غياب التشريعات المنظمة أتاح للبعض استخدام ألقاب مثل “خبير أعشاب” دون امتلاك أي مؤهلات علمية، مشيراً إلى أن بعضهم يقدم وصفات علاجية ويتحدث بثقة أمام الجمهور رغم افتقاره إلى المعرفة العلمية.
وأضاف أن غياب بطاقة البيان عن كثير من المنتجات يحرم المستهلك من معرفة مكوناتها أو الجهة المصنعة، كما يصعّب محاسبة المسؤولين عنها في حال حدوث أي ضرر صحي.
وكشف أن تحاليل مخبرية أجريت سابقاً على بعض المستحضرات العشبية أظهرت احتواء منتجات تُسوّق لعلاج الضعف الجنسي على مادة الفياغرا، بينما احتوت منتجات أخرى مخصصة لمرضى السكري على مادة البريسيفاج، رغم تسويقها على أنها مستحضرات طبيعية بالكامل.
جمعية حماية المستهلك: المطلوب رقابة وتنظيم
من جانبه، أوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن استخدام الأعشاب في العلاج معروف منذ سنوات طويلة، لكنه كان يقتصر على نباتات تقليدية مثل البابونج والنعناع والزيزفون، قبل أن يشهد سوق الطب البديل توسعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن كثيراً من المنتجات المتداولة حالياً تُباع دون أي معلومات تعريفية، رغم تسويقها لعلاج أمراض متعددة، معتبراً أن غياب بطاقة البيان يحرم المستهلك من حقه في معرفة طبيعة المنتج الذي يشتريه.
وأضاف أن بعض الباعة يعتمدون على الادعاء بتوارث أسرار المهنة أو يحيطون منتجاتهم بالغموض، الأمر الذي يدفع بعض المرضى، خاصة الباحثين عن حلول سريعة، إلى الوثوق بهذه المنتجات دون وجود أدلة علمية تثبت فعاليتها.
ضعف الرقابة يزيد فرص الغش
ويرى حبزة أن ضعف الرقابة يسهم في استمرار تداول منتجات مجهولة المصدر، مشيراً إلى أهمية سحب عينات دورية من المستحضرات العشبية وفحصها للتأكد من سلامتها وجودتها وطرق تخزينها.
كما حذر من انتشار حالات غش تتمثل في خلط الأعشاب الأصلية بنباتات أقل جودة لزيادة الكمية وتحقيق أرباح أكبر، وهو أمر يصعب على المستهلك اكتشافه.
وأوضح أن الاستخدام العشوائي لهذه المنتجات قد يؤدي إلى مشكلات صحية مثل اضطرابات الجهاز الهضمي، والحساسية الجلدية، ومضاعفات أخرى مرتبطة بطريقة التصنيع أو التخزين أو التلوث.
دعوات لتشديد الرقابة على سوق الأعشاب
وأكد حبزة ضرورة تعزيز التنسيق بين الجهات الصحية والرقابية، ووضع ضوابط واضحة لترخيص المنتجات العشبية، إضافة إلى رفع مستوى الوعي لدى المواطنين بعدم شراء أي مستحضر مجهول المصدر أو الاعتماد على الإعلانات والتجارب الشخصية عند التعامل مع المنتجات المرتبطة بالصحة.
وفي هذا السياق، أوضحت صحيفة الثورة السورية أنها تواصلت مع الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد للاستفسار عن آليات الرقابة والإجراءات المتبعة بحق المنتجات المخالفة، إلا أنها لم تتلقَّ رداً حتى موعد إعداد التقرير.
