الحاوية التي غيّرت التجارة العالمية.. من 10 أيام في موانئ لندن إلى أزمة ازدحام تهدد سلاسل الإمداد

︎︎ ︎︎ ︎︎︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎

قبل نحو 70 عاماً، كانت عملية تفريغ سفينة وإعادة تحميلها في موانئ لندن تستغرق 10 أيام أو أكثر، بمشاركة عشرات العمال، وسط انتشار سرقة البضائع وكثرة الحوادث واحتمالات توقف العمل بسبب الإضرابات.

لكن ظهور حاوية الشحن الفولاذية قلب قواعد التجارة البحرية رأساً على عقب. فقد أتاحت هذه الصناديق نقل البضائع بين السفن والشاحنات والقطارات بسرعة أكبر، وخفضت تكاليف الشحن بشكل هائل، وأسهمت في تحويل التجارة العالمية إلى منظومة أكثر سرعة وأقل تكلفة.

غير أن الابتكار الذي غيّر وجه التجارة العالمية يواجه اليوم تحدياً جديداً؛ فالموانئ والسفن أصبحت أكبر من أي وقت مضى، بينما بدأت البنية التحتية العالمية تقترب من حدود قدرتها على استيعاب هذا النمو.

- Advertisement -

كيف غيّرت الحاويات شكل موانئ العالم؟

مع انتشار الحاويات، بدأت سفن الشحن تكبر بصورة متسارعة لنقل كميات أكبر من البضائع. وأصبحت السفن العملاقة غير قادرة على الوصول إلى بعض الموانئ القديمة، ومنها الأرصفة الواقعة في وسط لندن عبر نهر التايمز.

كما أدى الاعتماد على الرافعات العملاقة في نقل الحاويات إلى تقليص الحاجة إلى أعداد كبيرة من عمال الموانئ.

تقرؤون أيضاً: ولي العهد السعودي في باريس.. شراكة سعودية فرنسية تتوسع من الطاقة والاستثمار إلى سلاسل الإمداد

ويروي بادي رودجرز، مدير المتاحف الملكية في غرينتش، أن مشهد تفريغ البضائع التقليدية في أرصفة لندن خلال ستينيات القرن الماضي اختفى تدريجياً، قبل أن تتحول بعض المواقع لاحقاً إلى مشاريع تطوير عقاري.

لكن التجارة البحرية لم تغادر لندن، بل انتقلت مراكزها الرئيسية إلى مواقع أكثر ملاءمة للسفن الحديثة. وعلى بعد نحو 30 ميلاً باتجاه مجرى نهر التايمز، يعمل ميناء لندن غيتواي اليوم على توسيع قدراته، باعتباره أحد أكبر موانئ الحاويات في المملكة المتحدة.

- Advertisement -

1.8 مليون حاوية خارج شبكة الشحن

في الوقت الذي تتوسع فيه تجارة الحاويات، تظهر مشكلة جديدة تتمثل في تراكم الصناديق الفارغة وازدحام الموانئ.

وتشير شركة تحليل قطاع النقل البحري سي إنتليجنس إلى أن نحو 1.8 مليون حاوية بحجم 20 قدماً تكون خارج الاستخدام الفعلي لشبكات الشحن العالمية في أي وقت، وهو رقم يقترب من الطاقة الاستيعابية لثامن أكبر شركة شحن حاويات في العالم.

وتنتظر سفن في بعض الموانئ لفترات أطول للحصول على أرصفة متاحة، بينما يؤدي نقص البنية التحتية المناسبة للسفن الحديثة إلى زيادة زمن وكلفة نقل البضائع.

ويحذر محللون من أن استمرار هذا الضغط قد يضع سلاسل الإمداد العابرة للقارات أمام اختبار صعب، خصوصاً إذا استمرت التجارة العالمية في النمو بالوتيرة الحالية.

40 ساعة لتفريغ سفينة تحمل 20 ألف حاوية

تكشف الموانئ الحديثة حجم التطور الذي طرأ على قطاع الشحن. ففي أحد الموانئ المتطورة، تستطيع الرافعات تفريغ وإعادة تحميل سفينة حاويات ضخمة خلال نحو 40 ساعة، رغم أن السفينة قد تحمل قرابة 20 ألف حاوية.

وتعمل رافعات محوسبة يصل ارتفاعها إلى 146 متراً، ويمكنها نقل حاويتين تقريباً كل 3 إلى 4 دقائق.

هذه السرعة تعكس أهمية الحاوية في خفض تكاليف النقل، بعدما أصبح شحن البضائع يمثل نسبة صغيرة جداً من تكلفة إنتاج العديد من السلع، وهو ما ساعد الشركات على توسيع عملياتها عالمياً.

لكن ارتفاع الطلب على السلع الاستهلاكية والنمو المتواصل للتجارة، إلى جانب زيادة الصادرات الصينية، بدأ يضع شبكة الشحن أمام ضغوط متزايدة.

اختلال التجارة يزيد أزمة الحاويات الفارغة

تواجه شركات الشحن مشكلة أخرى تتمثل في عدم توازن حركة التجارة بين مناطق العالم.

فمع تدفق كميات ضخمة من الصادرات الآسيوية، ولا سيما الصينية، لا تتوافر دائماً كميات مماثلة من البضائع في الولايات المتحدة وأوروبا لملء الحاويات في رحلات العودة.

وقال رولف هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة هاباغ-لويد، إن اختلال التوازن التجاري يتزايد، وهو ما يرفع تكلفة إعادة الحاويات الفارغة إلى مناطق التصدير الرئيسية.

وبحسب مسؤول تنفيذي في قطاع الشحن، كانت نحو 6 حاويات من أصل كل 10 تصل من آسيا إلى الولايات المتحدة تعود محملة بصادرات أميركية، بينما تراجعت النسبة حالياً إلى نحو 3 أو 4 حاويات فقط.

وهذا يعني أن شركات الشحن تضطر إلى إعادة عدد أكبر من الحاويات فارغة، ما يزيد تكاليف التشغيل ويضغط على أسعار الشحن.

من أين بدأت فكرة الحاوية؟

لم تظهر حاوية الشحن الحديثة فجأة، بل سبقتها محاولات عديدة لتوحيد طرق نقل البضائع.

فخلال الثورة الصناعية في بريطانيا، استخدمت صناديق خشبية لنقل الفحم بين وسائل النقل المختلفة، بينما شهدت أوروبا لاحقاً تطوير صناديق يمكن نقلها بين القطارات والشاحنات.

وفي عام 1933، وُضعت قواعد للحاويات المستخدمة في أوروبا الغربية، بحيث تتوافق أبعادها مع عربات السكك الحديدية والشاحنات.

ثم طور الجيش الأميركي صندوقاً فولاذياً عرف باسم ترانسبورتر، قبل أن تظهر حاويات «كونيكس» في عام 1952، ما أتاح نقل الصناديق بسهولة بين الطرق والسكك الحديدية والسفن.

وساعد هذا التطور في خفض زمن نقل الشحنات من الولايات المتحدة إلى كوريا من 55 يوماً إلى 27 يوماً، إضافة إلى الحد من سرقة البضائع في الموانئ.

مالكوم ماكلين.. الرجل الذي غيّر صناعة الشحن

لكن التحول الأكبر جاء على يد رجل الأعمال الأميركي مالكوم ماكلين، الذي كان يعمل في قطاع النقل بالشاحنات قبل أن يركز على فكرة نقل الحاويات بين السفن والشاحنات.

بدأ ماكلين نشاطه في النقل البري عام 1934 في ولاية نورث كارولاينا، وسرعان ما أصبح مهتماً بصورة خاصة بخفض تكاليف نقل البضائع.

وفي عام 1954، تقدم بطلب للحصول على براءة اختراع لحاوية شحن موحدة يمكن تكديسها فوق السفن وتثبيتها ثم رفعها بالرافعات ونقلها مباشرة إلى الشاحنات.

وبعد بيع حصته في شركة النقل بالشاحنات، اشترى شركة بان أتلانتيك تانكر، التي امتلكت عدداً من ناقلات النفط القديمة، وبدأ بتطبيق فكرته على نطاق تجاري.

وفي 26 أبريل 1956، حملت الناقلة «إيديل إكس» 58 حاوية في ميناء نيوارك بولاية نيوجيرسي، وانطلقت بها إلى تكساس، في رحلة شكلت نقطة تحول رئيسية في تاريخ النقل البحري.

وأظهرت حسابات ماكلين أن تكلفة تحميل سفينة تقليدية كانت تبلغ نحو 5.83 دولار للطن، مقابل 15.8 سنت للطن في «إيديل إكس»، أي انخفاض يقارب 97%.

هذا الفارق الهائل في التكلفة جعل الحاويات تنتشر بسرعة، رغم مقاومة نقابات عمال الموانئ في ذلك الوقت.

توحيد المقاسات أطلق ثورة الحاويات

كان توحيد أبعاد الحاويات خطوة حاسمة في تحويلها إلى معيار عالمي، وبدأت هذه العملية بصورة أكثر وضوحاً اعتباراً من عام 1968.

ويرى خبراء في النقل أن الحاوية لم تكن لتحدث التأثير نفسه من دون توحيد مقاساتها، إذ سمح ذلك باستخدام الصندوق نفسه على السفن والقطارات والشاحنات في مختلف أنحاء العالم.

وبحلول نهاية القرن العشرين، أصبحت الحاويات أحد أهم عناصر التجارة العالمية، وساعد انخفاض تكاليف النقل الشركات على نقل جزء كبير من عمليات التصنيع إلى دول ذات تكاليف عمالة أقل.

الحاويات ساعدت الصين على أن تصبح مصنع العالم

ارتبط صعود الصناعة الصينية وانتشار الحاويات بعلاقة وثيقة. ويرى المصمم الصناعي سيباستيان كونران أن الصين ما كانت لتصل إلى مكانتها الحالية كقوة صناعية عالمية لولا التطور الكبير الذي أحدثته الحاويات في النقل البحري.

وتظهر أرقام التجارة العالمية حجم هذه الثورة؛ فقد جرى تنفيذ أكثر من 280 مليون رحلة للحاويات بين الأسواق العالمية خلال العام الماضي.

وتحمل الحاويات نحو ثلثي البضائع المنقولة بحراً، وتمثل قرابة 60% من إجمالي التجارة العالمية وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

ويضم الأسطول العالمي حالياً أكثر من 7 آلاف سفينة حاويات، بينما تستطيع أكبر السفن نقل كميات هائلة من البضائع في رحلة واحدة.

كما تضاعف متوسط حجم سفن الحاويات أكثر من مرتين منذ عام 2000، وفقاً للمجلس العالمي للشحن.

الموانئ الآسيوية تواجه اختناقاً متزايداً

مع استمرار توسع التجارة، أصبحت الموانئ الآسيوية في مقدمة المناطق التي تواجه ضغوطاً تشغيلية متزايدة.

وقال هابن يانسن إن التجارة الخارجة من آسيا عبر المسارات الرئيسية ارتفعت بنحو 25% خلال السنوات الثلاث الماضية، ما جعل العديد من الموانئ الآسيوية تعاني ازدحاماً مستمراً.

وتصل الطاقة الاستيعابية لأكبر سفن الحاويات حالياً إلى مستويات قياسية، ومن بينها السفينة MSC Irina التي تصل قدرتها إلى 24,346 حاوية مكافئة لوحدة 20 قدماً (TEU).

كما يعادل عدد سفن الحاويات الجديدة قيد الطلب نحو 40% من حجم الأسطول الحالي، وهو مستوى قياسي يعكس توقعات استمرار نمو التجارة العالمية.

السفن أصبحت أكبر.. لكن الموانئ لها حدود

يشبه مسؤولو قطاع الشحن العلاقة بين السفن والموانئ بالعلاقة بين الطائرات والمطارات.

ويقول كيث سفيندسن، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه بي إم تيرمينالز» التابعة لشركة «ميرسك»، إن وصول سفن أكبر يعني الحاجة إلى بنية تحتية أكبر، تماماً كما تحتاج الطائرات العملاقة إلى مدارج ومطارات قادرة على استيعابها.

ولهذا السبب، تتجه شركات الشحن بصورة متزايدة إلى الاستثمار المباشر في الموانئ والمحطات، بهدف تحسين كفاءة عملياتها وضمان قدرتها على التعامل مع السفن الحديثة.

وفي عام 2024، استحوذت شركة الشحن الفرنسية سي إم إيه سي جي إم على حصة مسيطرة في أحد مشغلي الموانئ الرئيسيين في البرازيل.

ماذا تفعل شركات الشحن بالحاويات الفارغة؟

أصبحت تكلفة إعادة الحاويات الفارغة من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين وآسيا واحدة من التحديات الرئيسية التي تواجه شركات النقل البحري.

وتحاول شركات الشحن العثور على أي نوع من البضائع يمكنه استخدام هذه الحاويات في رحلات العودة، بما في ذلك الورق المخصص لإعادة التدوير، والنبيذ في عبوات كبيرة، وحتى بعض الحبوب التي كانت تُنقل عادةً على سفن البضائع السائبة.

وكلما زاد عدد الحاويات التي تعود فارغة، ارتفعت تكلفة تشغيل الخطوط البحرية، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار الشحن والتجارة العالمية.

الطلب على الحاويات يرتفع 5.2%

ارتفع الطلب العالمي على الحاويات بنسبة 5.2% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، في حين قفزت الصادرات الصينية بنسبة 12.4%، وفق شركة تحليل قطاع النقل البحري «زينيتا».

وجاء هذا النمو بالتزامن مع مساعي الشركات لتنويع سلاسل التوريد وزيادة المخزونات قبل تطبيق الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة في يوليو.

كما دفعت التوترات التجارية الشركات إلى إعادة النظر في طريقة توزيع سلاسل الإمداد، بعدما أصبحت أكثر ميلاً إلى تنويع مصادر الإنتاج والتوريد بدلاً من الاعتماد على منطقة واحدة.

وهكذا، تحولت حاوية فولاذية بسيطة خلال سبعة عقود إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي، بعدما خفضت تكلفة النقل وسرّعت حركة البضائع وساعدت على توسع التجارة الدولية. لكن النمو المتسارع في حجم السفن والتجارة يضع القطاع أمام سؤال جديد: هل تستطيع الموانئ وسلاسل الإمداد مواكبة الثورة التي صنعتها الحاويات؟

Exit mobile version