لم يعد السؤال المطروح في سوق العمل هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الوظائف، بل إلى أي مدى سيتولى المهام التي يؤديها الموظفون اليوم، وما الثمن الذي قد تدفعه الشركات مقابل السرعة والإنتاجية التي توفرها هذه التقنيات؟
وتشير شهادات نقلتها صحيفة «فايننشال تايمز» عن مستشارين ومحامين ومصرفيين وعاملين في قطاعي الطاقة والأدوية والإعلان، إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يحقق مكاسب واضحة في الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه يغير طريقة التدريب والترقية وتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسات.
الاستشارات.. أيام من البحث تختصرها الخوارزميات
بدأت شركات الاستشارات الكبرى في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي للوصول بسرعة إلى المعرفة المتراكمة داخلها. وتستخدم ماكينزي أداة «Lilli»، بينما تعتمد باين على «Sage»، وتوفر برايس ووترهاوس كوبرز منصة «ChatPwC» للوصول إلى العروض السابقة وبيانات الأسواق والخبرات المتراكمة.
ولا يقتصر الأمر على البحث النصي، إذ يستطيع مستشارو ماكينزي تحويل المعلومات التي يحتاجون إليها إلى بودكاست مخصص والتفاعل معه صوتياً، ما يساعد على اختصار الوقت اللازم للبحث وإعداد العروض.
لكن انتشار هذه الأدوات خلق مفارقة جديدة؛ فبعض الموظفين باتوا يطرحون أسئلة على روبوتات المحادثة لا لحاجتهم الفعلية إليها، وإنما لرفع معدلات استخدام الذكاء الاصطناعي التي تراقبها إدارات الشركات، في حين تحد شركات أخرى من الاستخدام بسبب تكلفة تشغيل النماذج.
وأصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً كذلك في تدريب المستشارين وتقييم أدائهم، بالتزامن مع توجه شركات الاستشارات إلى استقطاب مزيد من المتخصصين في البيانات والتكنولوجيا.
ومن الاستخدامات اللافتة أيضاً استعانة ماكينزي بالخوارزميات في تشكيل فرق المشروعات، عبر الموازنة بين سرعة بدء العمل ومدى توافق خبرات أعضاء الفريق وشخصياتهم مع طبيعة المهمة.
قطاع الطاقة.. إنتاجية أكبر مقابل تكلفة بيئية
في قطاع الطاقة، بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تدخل في عمليات كانت تستغرق وقتاً طويلاً. ففي شركة شل، يمكن للتقنية التعامل مع نحو 90% من قرابة 5 آلاف اتفاقية عدم إفصاح تبرمها الشركة سنوياً، وفق الرئيس التنفيذي وائل صوان.
أما بي بي، فتستخدم النماذج لتحليل البيانات الزلزالية واختبار مئات مسارات الحفر يومياً، بعدما كان الوصول إلى المسار الأنسب يحتاج في السابق إلى أسابيع أو حتى أشهر.
وتستخدم الشركة التقنية أيضاً للتنبؤ بمبيعات القهوة والسلع داخل محطات الوقود، بالاعتماد على عوامل مثل الطقس ومستويات الطلب المحلي.
لكن زيادة الكفاءة لا تعني بالضرورة أثراً بيئياً إيجابياً. فقد قدرت دراسة منشورة في دورية تابعة لمجموعة «نيتشر» أن استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الوقود الأحفوري قد يؤدي إلى زيادة صافي الانبعاثات العالمية بما يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغاطن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، في السيناريوهات التي تناولتها الدراسة.
وول ستريت.. الذكاء الاصطناعي يساعد المصرفي ولا يحل مكانه
في القطاع المصرفي، تستخدم المؤسسات المالية نماذج داخلية ومنصات متخصصة مثل «Rogo» لتلخيص مراسلات العملاء، والبحث عن أهداف محتملة لعمليات الاستحواذ، وإعداد المسودات الأولى للنماذج المالية والعروض التقديمية.
وتتيح هذه الأدوات للمصرفيين الاطلاع خلال دقائق على سجل العميل والمعلومات المرتبطة به قبل دخول الاجتماعات.
لكن هذه السرعة تثير مشكلة بالنسبة للمصرفيين المبتدئين، إذ إن تقليص الوقت الذي يقضونه في إعداد النماذج والعروض قد يعني فقدان جزء من الخبرة العملية التي كانوا يكتسبونها من خلال هذه المهام، مثل قراءة الأرقام وبناء العلاقات مع العملاء.
وفي المقابل، لا تزال المراجعة البشرية ضرورية، خصوصاً أن النماذج قد تنتج أرقاماً أو معلومات غير صحيحة يمكن أن تؤثر في قرارات مالية مهمة.
المحاماة.. توفير الوقت لا يلغي مخاطر الأخطاء
يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدة المحامين في مراجعة مئات الاتفاقيات واستخراج البنود المطلوبة خلال وقت قصير، إلا أن انخفاض زمن البحث لا يعني دائماً تقليص ساعات العمل، إذ قد يستغل العملاء هذه الإمكانات لطلب عمليات تدقيق أوسع وأكثر تفصيلاً.
وتبقى الهلوسة من أبرز مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني. فقد اضطرت شركة «سوليفان آند كرومويل» إلى الاعتذار أمام قاضٍ فدرالي في نيويورك بعدما تضمنت مذكرة إفلاس استشهادات غير دقيقة ومعلومات قانونية خاطئة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
كما واصلت محاكم أميركية توجيه اللوم إلى محامين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي واستندوا إلى قضايا أو مراجع قانونية غير موجودة، في مؤشر على أن النص الذي يبدو مقنعاً قد لا يكون صحيحاً بالضرورة.
الأدوية والإعلان.. سرعة في الابتكار وأسئلة حول المخاطر
يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الأدوية أيضاً، إذ يمكن للتقنيات الحديثة تقليص الفترة اللازمة لوصول بعض الجزيئات الدوائية إلى مرحلة الاختبارات ما قبل السريرية من 4 أو 5 سنوات إلى ما بين 12 و18 شهراً، وفق تقديرات نقلتها «فايننشال تايمز».
لكن تسريع عملية التطوير يرافقه تحدٍ يتعلق بالسلامة، إذ حذرت منظمة الصحة العالمية من مخاطر إعادة إنتاج التحيزات وتهديد سلامة المرضى في حال عدم اختبار توصيات الذكاء الاصطناعي والتحقق منها بشكل كافٍ.
وفي مجال البحث العلمي، استخدم علماء نماذج توليدية لتصميم فيروسات بكتيرية جديدة، وهو تطور قد يساعد في مواجهة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مخاوف مرتبطة بالأمن البيولوجي.
أما قطاع الإعلان، فيستفيد من الذكاء الاصطناعي لخفض تكلفة إنتاج المحتوى وتخصيصه لأسواق متعددة، فيما بدأت بعض العلامات التجارية تجربة حملاتها باستخدام مجموعات تركيز اصطناعية تضم وكلاء رقميين بشخصيات ودوافع مفترضة.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة للإنتاجية واختبار جديد للمسؤولية
تكشف هذه التجارب أن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل لا يقتصر على استبدال بعض المهام، بل يمتد إلى طريقة تدريب الموظفين وتقييمهم، ومسارات الترقي، وحتى آليات تشكيل فرق العمل.
وتبدو أفضل استخدامات التقنية تلك التي تزيل الأعمال الروتينية وتمنح الموظفين وقتاً أكبر للمهام التي تحتاج إلى خبرة وحكم بشري، بينما تكمن الخطورة في أن يؤدي تسريع العمل إلى توسيع نطاق الخطأ بدلاً من تقليله.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة إلى طرف يشارك في اختيار فرق العمل ومحاكاة العملاء والتأثير في قرارات تمس أشخاصاً حقيقيين، تصبح مسألة الرقابة البشرية والمساءلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
