تستعد أسواق الكهرباء العالمية لمرحلة جديدة خلال 2026، في ظل تسارع نمو الطلب على الطاقة مدفوعاً بالتوسع الصناعي والانتشار السريع لمراكز البيانات، بالتزامن مع مواجهة شبكات الكهرباء ضغوطاً متزايدة لتلبية الأحمال الجديدة.
وتشير شركة «وود ماكنزي» إلى أن التحديات باتت متقاربة في العديد من الأسواق، بدءاً من نمو الأحمال والضغط على شبكات الكهرباء وصولاً إلى أمن الطاقة، إلا أن طبيعة الاستجابة تختلف بحسب ظروف كل سوق.
وترى الشركة أن الصراع في الشرق الأوسط زاد المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة، وهو ما قد يقود إلى تغييرات هيكلية في ديناميكيات أسواق الكهرباء، في وقت أصبحت فيه قيود الشبكات والربط الكهربائي تحدياً متزايداً أمام خطط التوسع في مصادر الطاقة المتجددة.
أميركا الشمالية.. مراكز البيانات تدفع الطلب على الكهرباء
تتجه الولايات المتحدة وكندا إلى موجة استثمارات واسعة في قطاع الكهرباء، مدفوعة بالنمو القوي للطلب، مع عودة الغاز الطبيعي إلى الواجهة بالتوازي مع التوسع في الطاقة المتجددة ومشروعات تخزين الكهرباء.
ورغم تباطؤ نمو قائمة مشروعات مراكز البيانات، تتوقع «وود ماكنزي» ارتفاع مبيعات الكهرباء في الولايات المتحدة بمعدل 3.2% سنوياً حتى 2035، على أن يأتي نحو ثلثي هذا النمو من مراكز البيانات.
وفي كندا، تتوقع الشركة نمو الطلب على الكهرباء بنسبة 2.2% سنوياً حتى 2035، مقارنة مع توقع سابق بلغ 1.5%.
ويضع هذا النمو شبكات الكهرباء أمام اختبار متزايد، بعدما أصبحت قيود الشبكة من العوامل التي تحدد قدرة الأسواق على مواكبة الطلب، إلى جانب مخاطر السياسات وتحديات القدرة على تحمل تكاليف الكهرباء.
الغاز يعود إلى المشهد.. ومخاطر الأصول العالقة تتزايد
تتوقع «وود ماكنزي» أن يسهم الغاز الطبيعي في 52% من الزيادة في توليد الكهرباء بالولايات المتحدة حتى 2035، ما يعني ارتفاع الانبعاثات في الأسواق الأميركية الرئيسية.
ويأتي التوسع في مشروعات الغاز في وقت وصلت فيه تكاليف الاستثمار إلى مستويات قياسية، ما يفرض موازنة دقيقة بين الحاجة إلى توفير إمدادات الكهرباء ومخاطر تحول بعض الاستثمارات إلى أصول عالقة مع تغير مزيج الطاقة.
وتدفع هذه المعادلة الولايات الأميركية نحو إجراء إصلاحات في أسواق الكهرباء، إلا أن الاستجابات لا تزال متفاوتة، في ظل غياب نموذج موحد للتعامل مع التحديات.
وبحسب «وود ماكنزي»، يكمن أحد أبرز التحديات في وضع آليات تسمح بربط الأحمال الكبيرة بالشبكة بسرعة، مع تحديد الجهات التي تتحمل تكلفة توسعة الشبكات والمخاطر التشغيلية المرتبطة بها.
أوروبا.. الطلب على الكهرباء مرشح للارتفاع 66%
تتوقع «وود ماكنزي» ارتفاع الطلب على الكهرباء في أوروبا بنسبة 66% بحلول 2050، مع تسارع التحول نحو استخدام الكهرباء في قطاعات اقتصادية مختلفة.
وعلى المدى القريب، تمثل مراكز البيانات أحد أبرز محركات نمو الطلب، بينما تتسارع وتيرة التحول خلال ثلاثينيات القرن الحالي مع توسع استخدام الكهرباء في قطاع النقل، وصولاً إلى زيادة الطلب على السيارات الكهربائية بنحو 15 ضعفاً بحلول 2050.
لكن مسار الطلب الأوروبي قد يتأثر بعدة عوامل، إذ يمكن للتباطؤ الاقتصادي وارتفاع أسعار السلع الأساسية أن يحدا من نمو الأحمال، في حين قد تؤدي اضطرابات إمدادات الوقود الأحفوري المستمرة إلى تسريع التحول نحو الكهرباء وتعزيز الدعم الحكومي للسياسات المرتبطة به.
1,400 غيغاواط من الشمس والرياح لتلبية احتياجات أوروبا
ترى «وود ماكنزي» أن تلبية نمو الطلب الأوروبي على الكهرباء تتطلب إضافة أكثر من 1,400 غيغاواط من صافي قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الجديدة بحلول منتصف القرن.
وفي الوقت نفسه، تتوقع الشركة أن تتضاعف قدرات تخزين الكهرباء بالبطاريات 10 مرات لتصل إلى 470 غيغاواط بحلول 2050، بينما ترتفع حصة مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة من 28% إلى 68% من مزيج الكهرباء.
ومن المتوقع أن تتجاوز حصة الكهرباء الخالية من الكربون 80% بحلول 2030، قبل أن تصل إلى 93% بحلول 2050، بدعم من تمديد عمر المحطات النووية القائمة.
وفي المقابل، يتراجع الفحم تدريجياً من مزيج الكهرباء في دول الاتحاد الأوروبي الـ27، وصولاً إلى خروجه من المزيج في بداية أربعينيات القرن الحالي، بينما يكتسب احتجاز الكربون وتخزينه زخماً أكبر في أواخر ثلاثينيات القرن.
الغاز يتراجع في أوروبا.. لكن دوره يتغير
رغم انخفاض الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء بأوروبا، تتوقع «وود ماكنزي» استمرار نمو قدرته المركبة، في حين يتراجع التوليد من الغاز بنسبة 45% بحلول 2050 نتيجة انخفاض معدلات استخدامه.
ويعكس ذلك تغير وظيفة الغاز داخل منظومة الكهرباء أكثر من اختفائه، إذ ستظل الشبكات بحاجة إلى قدرات مرنة تستطيع الاستجابة للتغيرات في إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وبالتوازي، ستصبح البطاريات والاستجابة للطلب والربط الكهربائي والتوليد الحراري القابل للتحكم من الأدوات الرئيسية لدمج مصادر الطاقة المتجددة في شبكات الكهرباء.
آسيا والمحيط الهادئ تقود ثلاثة أرباع نمو الطلب العالمي
تتصدر منطقة آسيا والمحيط الهادئ نمو الطلب العالمي على الكهرباء، إذ تتوقع «وود ماكنزي» أن تمثل المنطقة نحو ثلاثة أرباع إجمالي نمو الطلب العالمي حتى 2035.
ويرتبط هذا النمو باستمرار التصنيع والتوسع الاقتصادي والتحضر، خصوصاً في الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا.
وتجاوز الطلب على الكهرباء في الصين 10 آلاف تيراواط/ساعة خلال 2025، لتصبح أول دولة تصل إلى هذا المستوى، بينما تمثل القدرة المركبة لديها نحو 72% من إجمالي قدرة منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
لكن طبيعة الطلب تتغير تدريجياً، مع انتقال محركات النمو من الصناعات الثقيلة نحو الرقمنة والكهربرة والتصنيع المتقدم.
الصين.. الطاقة الشمسية والرياح تتقدمان على المصادر الحرارية
تشير توقعات «وود ماكنزي» إلى وصول قدرة توليد الكهرباء من الفحم في الصين إلى ذروتها بحلول 2030، مع تحول الفحم تدريجياً من مصدر رئيسي لتلبية الأحمال إلى مصدر يوفر المرونة للشبكة، رغم استمرار تأثيره في الأسعار الهامشية حتى 2035.
وفي المقابل، تمثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية حالياً 47% من القدرة الكهربائية في الصين، ومن المتوقع ارتفاع حصتهما إلى 84% بحلول 2060، لتوفرا نحو 73% من إجمالي التوليد.
وسجلت إضافات طاقة الرياح والطاقة الشمسية مستوى قياسياً بلغ 434 غيغاواط خلال 2025، بينما ارتفعت الإضافات السنوية لتخزين الطاقة من النوع الجديد بنسبة 85% إلى 61.1 غيغاواط.
كما ساهمت مصادر الطاقة المتجددة في توفير 57% من الزيادة في توليد الكهرباء خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة، في حين انخفض إجمالي توليد الكهرباء من الفحم للمرة الأولى خلال 2025، لتتراجع حصته إلى 52%.
