دخلت أسواق الغاز الأوروبية مرحلة جديدة من الضغوط مع الارتفاع الحاد في الأسعار وتزايد المخاوف بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال، بالتزامن مع اضطرابات الشحنات القادمة من منطقة الخليج.
وفي هذا السياق، اعتبر الكرملين أن الدول الأوروبية تدفع ثمناً مرتفعاً نتيجة اعتمادها على أسواق الغاز الفورية، مشيراً إلى أن بإمكانها الحصول على إمدادات روسية بتكلفة أقل.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، يوم الأربعاء، إن شراء الغاز بأسعار مرتفعة في الأسواق الفورية يضر بالاقتصاد الأوروبي، في إشارة إلى إمكانية اللجوء مجدداً إلى الغاز الروسي باعتباره، وفق موسكو، خياراً أقل تكلفة.
وتزامنت تصريحات بيسكوف مع وصول أسعار الغاز في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، وسط حالة من عدم اليقين بشأن تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق.
أسعار الغاز الأوروبي تواصل الصعود
سجلت أسعار الغاز الأوروبية ارتفاعاً قوياً خلال الأسابيع الماضية، مدفوعة بالمخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يعد ممراً رئيسياً لشحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من منطقة الخليج.
وبلغ عقد الغاز الأوروبي القياسي في هولندا، الأربعاء، مستويات تقارب 79 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بعدما تجاوزت الأسعار في وقت سابق من الشهر مستوى 75 يورو، لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاث سنوات.
وخلال الشهرين الماضيين، ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 75%، ما يضيف أعباء جديدة على خطط الدول الأوروبية لإعادة ملء مخزونات الغاز استعداداً لموسم الشتاء.
وتأتي هذه الزيادة في ظل اضطرابات أصابت سوق الغاز الطبيعي المسال، مع تأثر جزء من الإمدادات القادمة من الخليج نتيجة التوترات الإقليمية وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، أدى فقدان نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية بصورة مؤقتة إلى اضطراب توازنات السوق، ودفع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ أزمة الطاقة خلال عامي 2022 و2023.
مخزونات الغاز الأوروبية تحت الضغط قبل الشتاء
وتأتي موجة ارتفاع أسعار الغاز في توقيت حساس بالنسبة إلى أوروبا، مع اقتراب موسم التدفئة واستمرار مستويات التخزين دون المعدلات المعتادة.
وبلغت مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي نحو 66% من السعة التخزينية في أوائل سبتمبر، وهو مستوى منخفض تاريخياً بالنسبة إلى هذا التوقيت من العام، ما يجعل السوق أكثر حساسية تجاه أي اضطراب جديد في الإمدادات أو موجة برد قوية خلال الشتاء.
ومنذ عام 2022، عملت الدول الأوروبية على تقليص اعتمادها على الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، واتجهت بشكل أكبر إلى واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة ومصادر أخرى.
وأعاد هذا التحول رسم خريطة إمدادات الطاقة في القارة، لكنه في المقابل جعل أوروبا أكثر ارتباطاً بالمنافسة العالمية على شحنات الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً مع استمرار الطلب الآسيوي على الإمدادات.
وتختلف الظروف الحالية عن أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، إذ لا تواجه أوروبا بالضرورة نقصاً مباشراً في الغاز، وإنما ارتفاعاً كبيراً في تكلفة الحصول على الإمدادات البديلة.
وتتنافس الشركات الأوروبية والآسيوية على الشحنات المتاحة، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى ويزيد تكلفة تأمين احتياجات القارة لموسم الشتاء.
موسكو تستغل ارتفاع أسعار الغاز
وتمنح أزمة الغاز الحالية موسكو فرصة لإعادة طرح الغاز الروسي باعتباره بديلاً أقل تكلفة بالنسبة إلى أوروبا، بعد الانخفاض الكبير الذي سجلته صادرات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب منذ عام 2022.
ولا تزال بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال الروسي تصل إلى دول في الاتحاد الأوروبي، وإن كانت الكميات أقل بكثير من المستويات التي كانت سائدة قبل تراجع العلاقات في قطاع الطاقة.
وتسعى موسكو من خلال تسليط الضوء على ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية إلى إبراز الكلفة الاقتصادية المترتبة على الابتعاد عن مصادر الطاقة الروسية.
في المقابل، ترى الحكومات الأوروبية أن تقليل الاعتماد على روسيا يمثل جزءاً أساسياً من استراتيجية أمن الطاقة، ويهدف إلى الحد من مخاطر الاعتماد على مورد واحد.
ومع استمرار التوترات الإقليمية واقتراب فصل الشتاء، تزداد أهمية سوق الغاز بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، ليس فقط بسبب احتمال حدوث اضطرابات في الإمدادات، وإنما أيضاً نتيجة انعكاس أسعار الطاقة المرتفعة على التضخم والصناعة وتكاليف المعيشة.
وقد يدفع استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة الحكومات الأوروبية إلى تعزيز مخزونات الغاز أو اتخاذ إجراءات لدعم الأسر والشركات، خصوصاً إذا استمرت اضطرابات الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.
