لطالما تناقل السوريون عبر الأجيال قصصاً عن الكنوز المدفونة والذهب العتيق الذي خلّفته الحضارات الغابرة والمسافرون على طريق الحرير، فهذه الأساطير المتوارثة لم تكن مجرد حكايات شعبية، بل تحولت إلى هاجس يدفع البعض إلى البحث عن الثروات المخفية في أنحاء البلاد، خاصة في ظل الفراغ الأمني الذي طرأ في السنوات الأخيرة.
ومع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا، برزت موجة جديدة من عمليات التنقيب غير الرسمية، مدفوعة بالإقبال المتزايد على أجهزة كشف المعادن التي بدأت تغزو الأسواق المحلية بأسعار تصل إلى عشرة آلاف دولار للجهاز الواحد.
وفقاً لتقرير لصحيفة *فايننشال تايمز*، لم يكن بيع هذه الأجهزة متاحاً سابقاً، لكن العاصمة السورية شهدت مؤخراً افتتاح متاجر مخصصة بالكامل لها، مستهدفة جمهوراً من الباحثين عن الذهب والهواة الذين يحلمون بتحقيق ثروات طائلة.
الكنوز بين الأسطورة والتاريخ
يرى خبراء الآثار أن الإيمان الشعبي بوجود كنوز دفينة يعود إلى تاريخ البلاد العريق، حيث تشكل سوريا موطناً للعديد من الحضارات القديمة التي تركت خلفها آثاراً قيّمة.
ويؤكد الباحث عمرو العظم، أستاذ التاريخ في جامعة شوني ستيت بأوهايو، أن "الجميع في منطقتنا يعرف شخصاً كان يحفر في منزله واكتشف جرة مليئة بالذهب"، وهي رواية تتكرر كثيراً بين السوريين، حتى لو لم تكن هناك دلائل ملموسة تؤكد صحة هذه المزاعم.
لكن، ورغم التشديد الأمني السابق الذي كان يمنع التنقيب عن الكنوز بحجة الحفاظ على المواقع الأثرية، فإن الانفلات الأمني في بعض المناطق سمح لظاهرة البحث عن الذهب بالانتشار، حيث لجأ بعض الأشخاص إلى هدم الجدران في منازلهم أو الحفر في أراضيهم بحثاً عن مقتنيات ثمينة، مستغلين غياب الرقابة الرسمية.
اقتصاد الحرب وتأثيره على موجة التنقيب
في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي خلفتها سنوات الحرب، أصبح البحث عن الكنوز خياراً يراه البعض بديلاً محتملاً لإنعاش دخلهم، لا سيما أن معظم السوريين يعيشون فوق أو بالقرب من مواقع أثرية تاريخية، الأمر الذي جعل فكرة العثور على ذهب قديم أمراً غير مستبعد.
ورغم أن التنقيب لا يزال رسمياً "غير قانوني"، بحسب مصادر حكومية، فإن السلطات تغض الطرف عن هذه الأنشطة، نظراً لصعوبة فرض رقابة شاملة في مختلف المناطق.
وفي الوقت ذاته، استغل تجار التجزئة الإقبال المتزايد على أجهزة كشف المعادن، حيث بدأت بعض المتاجر خارج سوريا – لا سيما في الإمارات – بتوفير خدمات شحن خاصة للعملاء السوريين، واعدةً بمنتجات مصممة خصيصاً للتربة الصخرية والبازلتية المنتشرة في البلاد.
ويروج البعض لأسطورة دفن القوات العثمانية المنسحبة عام 1917 صناديق ذهبية أثناء توجهها شمالاً بعد هزيمتها في القدس على يد البريطانيين. هذه الرواية وغيرها دفعت كثيرين للبحث عن الكنوز، وسط موجة من عمليات البيع المشبوهة لعملات ذهبية يُدّعى أنها أثرية، لكن الخبراء يؤكدون أن معظمها مزيف، إذ يعكس الأمر "خيال الناس المفرط"، وفقاً للمؤرخ عمرو العظم.
وفي خضم البحث المحموم عن الذهب، يواجه المنقبون مخاطر حقيقية، إذ يتعرضون أحياناً لهجوم من السكان المحليين الذين يسعون للاستيلاء على أي كنز محتمل. أبو وائل، أحد الباحثين عن الكنوز منذ أربعة عقود، يعترف بأنه لم يعثر على أي منها، ويصف تجارة أجهزة الكشف عن المعادن بأنها "خدعة" تدفع الناس لإنفاق مدخراتهم على أوهام لا تتحقق.



