في زمن تتسارع فيه التحديات البيئية والاقتصادية لم يعد مقبولا التعامل مع النفايات كعبء خدمي أو ملف ثانوي، إذ أثبتت التجارب العالمية أنها مورد اقتصادي واستراتيجي قادر على خلق فرص عمل وتوليد عوائد مالية ودعم الاقتصاد الدائري، لكن في سوريا ما تزال النفايات تراكم الأزمات بدل أن تنتج الحلول مع تراجع خدمات النظافة وانتشار المكبات العشوائية والحرق المكشوف ما يفاقم التلوث ويهدد الصحة العامة رغم أن حجم النفايات يكفي لإطلاق مشاريع ضخمة في إعادة التدوير.
في هذا المقال نرسم ملامح مستقبل إدارة النفايات عبر تحليل الواقع الراهن وتشخيص التحديات ووضع رؤية شاملة تستلهم التجارب الدولية وتقترح حلولا عملية قابلة للتنفيذ تجعل إدارة النفايات أحد أعمدة التنمية المستدامة في سوريا.
أولا: حجم النفايات في سوريا… أرقام تفرض التحرك
تشير التقديرات إلى أن سوريا تنتج يوميا آلاف الأطنان من النفايات تتوزع بين النفايات المنزلية الناتجة عن الاستهلاك اليومي والنفايات الصناعية الناتجة عن المصانع وورش الإنتاج إضافة إلى النفايات الزراعية التي تتولد من الأنشطة الزراعية والحيوانية.
يقدر حجم النفايات اليومية بما يزيد عن 8000 طن في دمشق وريفها وحدهما وهو رقم ضخم يجعل العاصمة ومحيطها من أكثر المناطق إنتاجا للنفايات في البلاد وإذا ما أُضيفت بقية المدن الكبرى مثل حلب، حمص، واللاذقية، فإن الحجم الكلي للنفايات اليومية يصل إلى عشرات آلاف الأطنان ما يعكس تحديا بيئيا واقتصاديا متناميا
في ظل غياب منظومة متكاملة للفرز والمعالجة ويهدر في الوقت نفسه فرصة اقتصادية كبيرة يمكن أن تتحول إلى
إلى قطاع اقتصادي منتج يخلق فرص عمل ويخفف من فاتورة الاستيراد ويحد من التلوث في آن معا.
ثانيا: النظرة الرسمية… عقلية إدارية لا اقتصادية
لا تزال النظرة الرسمية في سوريا إلى قطاع النفايات محصورة في إطار إداري تقليدي تعتبر النفايات عبئا يجب التخلص منه بطرق بدائية تقليدية وبأقل التكاليف الممكنة لا كمورد يمكن استثماره وتحويله إلى قيمة مضافة رغم أن قطاع النفايات يعد في كثير من الدول ولاسيما (تركيا وألمانيا) رافدا اقتصاديا مهما، وقد انعكست هذه النظرة على شكل غياب التشريعات المحفزة واحتكار بعض المسارات التجارية ومنع تصدير المواد المعاد تدويرها ما أدى إلى شلّ نمو أي صناعة تدوير حقيقية.
ورغم أن البلديات تعاني من نقص في العمالة والآليات وتعترف بعجزها عن إدارة هذا الملف بكفاءة لم يترجم ذلك إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص لتولي هذه المهمة عبر مناقصات رسمية أو شراكات استثمارية، ولذلك نحذر من أن استمرار هذه العقلية الإدارية يكرّس الهدر ويضاعف الأعباء بينما التحول إلى عقلية اقتصادية يمكن أن يحوّل النفايات إلى مورد استراتيجي يضع سوريا على طريق التنمية المستدامة.
ثالثا: تحديات ومعوقات الاستثمار في النفايات في سوريا
رغم وجود مبادرات فردية واعدة مثل تجربة مركز إعادة التدوير في داريا إلا أن الطريق أمام تحويل النفايات إلى قطاع اقتصادي منتج ما يزال مليئا بالتحديات التي تجعل الاستثمار في قطاع النفايات في سوريا مهمة معقدة، وهذه التحديات هي:
1 = قيود تجارية وتنظيمية:
– غياب التشريعات المحفزة: لا توجد قوانين واضحة تمنح إعفاءات ضريبية أو تسهيلات للمستثمرين في هذا القطاع مما يخلق بيئة تنظيمية غير مشجعة.
– منع تصدير المواد المعاد تدويرها حيث تحرم الشركات من الوصول إلى أسواق خارجية يمكن أن توفر عائدات حيوية، وتحد من قدرتها على النمو والتوسع.
– الاحتكار المقنّع في السوق المحلي يفرض قيودا غير معلنة على حرية البيع والشراء ويجعل المنافسة محدودة ما يقلل من فرص دخول مستثمرين جدد
2 = ضعف البنية التحتية والتكنولوجية
– غياب الدعم الحكومي حيث تفتقر البلديات والمؤسسات الرسمية تفتقر إلى خطط استراتيجية لدعم مشاريع إعادة التدوير.
– تكنولوجيا متقادمة: معظم عمليات الجمع والنقل تتم بوسائل بدائية، دون اعتماد على تقنيات حديثة للفرز والمعالجة
– نقص التمويل: غياب صناديق استثمارية أو برامج تمويلية مخصصة يجعل من الصعب على المشاريع الصغيرة والمتوسطة أن تنمو.
3= تحديات مجتمعية وثقافية
– نقص الوعي المجتمعي حيث ينظر إلى النفايات باعتبارها شيئا يجب التخلص منه لا موردا يمكن الاستفادة منه.
– ضعف ثقافة الفرز من المصدر حيث لا تفرز معظم الأسر نفاياتها ما يزيد من صعوبة عمليات إعادة التدوير ويضاعف التكاليف.
– غياب الحملات التوعوية حيث لا توجد برامج إعلامية أو تعليمية مستمرة لترسيخ مفهوم الاقتصاد الدائري وأهمية إعادة التدوير.
رابعا: تحويل النفايات إلى فرصة اقتصادية حقيقية
لكي يصبح قطاع النفايات في سوريا رافدا اقتصاديا فعّالا، لا بد من الانتقال من عقلية الإدارة التقليدية إلى عقلية استثمارية قائمة على التخطيط والشراكات، والخطوات التالية تمثل خارطة طريق عملية يمكن أن تفتح الباب أمام صناعة تدوير متكاملة ومستدامة:
1 – إقرار تشريعات مرنة تسمح بتصدير المواد المعاد تدويرها إلى أسواق خارجية ووضع ضوابط تمنع الاحتكار وتضمن المنافسة العادلة بين الشركات وإدخال حوافز ضريبية وجمركية للمستثمرين في قطاع إعادة التدوير
2 – تحفيز القطاع الخاص وفتح المجال أمام شركات محلية ودولية لتقديم حلول متكاملة لإدارة النفايات واعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضمان استدامة التمويل والخبرة
3 – دعم المشاريع الصغيرة وتحديد أسعار مجدية لجامعي النفايات بما يضمن لهم دخلا مستقرا، وربط المشاريع الصغيرة ببرامج تمويل صغيرة ومتوسطة لتوسيع نشاطها.
4 – إطلاق حملات توعية بيئية تستهدف الجيل الجديد وإدماج مفاهيم الاقتصاد الدائري في المناهج الدراسية وتنظيم مسابقات وأنشطة مدرسية وجامعية حول إعادة التدوير والابتكار البيئي واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب وتحفيزهم على المشاركة في المبادرات البيئية.
الاستثمار في النفايات… ضرورة لا خيار
الاستثمار في النفايات لم يعد ترفا بيئيا أو رفاهية يمكن تأجيلها، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية ، فالنفايات التي تتراكم يوميا في المدن والبلدات ليست مجرد عبء على البلديات بل هي مورد خام يمكن تحويله إلى طاقة ومواد أولية وفرص عمل ضمن رؤية تنموية اقتصادية شاملة تضع سوريا على طريق الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
بقلم: عبيدة عبد الباقي

