خلال السنوات الأخيرة، واصل "اقتصاد الظل" في سوريا تمدده تزامناً مع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة واتجاه الكثير من السوريين إلى سياسة "النجاة الفردية" بحثا عن أي فرصة لتحقيق دخل يكفي أدنى متطلبات الحياة.
الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب أوضحت أن معظم من يعمل في القطاع الرسمي يعمل أيضاً في اقتصاد الظل من أجل تحسين الدخل، كذلك فإن معظم قطاعات الأعمال الرسمية لديها قسم كبير من أنشطتها غير مصرّح بها وتدخل ضمن اقتصاد الظل وذلك لغايات ضريبية، مضيفة: «حتى إن عامليها المسجلين في التأمينات الاجتماعية، فإن الجزء الآخر من راتبهم غير المقيّد في السجلات الرسمية يندرج تحت اقتصاد الظل أيضاً».
وتابعت في تصريح لصحيفة «الوطن» المحلية: «لذلك يوجد العديد من التقديرات المبنية على المشاهدة وليس على أساسٍ علمي، تتفق معظمها رغم اختلافها على أن اقتصاد الظل في سورية في حالة تورّم مزمن ومستمر، وأن القوة العاملة التي تغذيه هي شريحة الشباب، وذلك يعود إلى ارتفاع معدلات البطالة التي تجاوزت 60 بالمئة لدى هذه الفئة، وإذا ما أجرينا مقارنةً بين وسطي دخل الفرد ووسطي الإنفاق يمكن القول إن حجم اقتصاد الظل يتجاوز 100 بالمئة».
وترى سيروب أن الإجراءات المعقدة وغير الواضحة أهم الأسياب التي ساهمت في انتشار اقتصاد الظل، بالإضافة إلى التهرب من الواجبات المالية أي ضريبة الدخل، وانخفاض مستوى الدخل مقارنة مع مستوى المعيشة، مشيرة إلى أنه على الرغم من مساهمة اقتصاد الظل في توفير فرص عمل وتحسين مستوى الدخل وحفاظ بعض الأسر على وضعها فوق خط الفقر، وتوفير بعض السلع والخدمات في السوق، غير أنه يبقى حالة غير صحية للاقتصاد والمجتمع على المدى الطويل، حيث إن جميع العاملين فيه يعملون في بيئة عمل لا تتمتع بشروط السلامة الصحيّة والمهنيّة ويفتقدون حقوقهم في الضمان الصحي والتأمينات الاجتماعية.
وأكدت الدكتورة سيروب أن اقتصاد الظل ليس بالظاهرة الجديدة في سورية، فهو موجود منذ عقود كنتيجة لسلبيات نموذج التنمية المتبع حينها واليوم أيضاً، إذ كان يتم التركيز على بعض المحافظات ومراكز المدن على حين تُهمَل الأرياف، إضافة إلى مرحلة التحول والانتقال القسري إلى اقتصاد السوق من دون تهيئة أرضية مناسبة له.
ومن ناحية أخرى، ترى سيروب أن واجب الحكومات أن تعمل على ضمان إدماج جميع أنشطة اقتصاد الظل المشروعة قانوناً ضمن الحسابات الرسمية، باعتبار أن العامل المشترك لانتشار هذه الأنشطة هو ضعف الخدمات الحكومية وتردي جودتها مقارنة بالالتزامات المالية الناتجة عن كشف النشاط الاقتصادي، وعدم وجود محفزات حقيقية للإفصاح والكشف عن حقيقة حجم النشاط الاقتصادي المخفي.
أكدت أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تشرعن الحكومات انتشار هذه الأنشطة بذريعة الحرب وتحسين مستوى المعيشة «لمن يستطع تأمين فرصة له في هذا القطاع»، لأن سياسة غض الطرف تحت ذرائع مختلفة ليست إلا اعترافاً رسمياً بعدم قدرة الحكومة على ضبط النشاط الاقتصادي وتهرب الحكومة من واجباتها تجاه المواطنين.
وتابعت: «وطبعاً لا يعني ذلك إيقاف هذه الأنشطة، بل ضبطها وطرح آليات وأدوات يمكن من خلالها حصرها وإدماجها ضمن دورة الاقتصاد الرسمية، من خلال مرحلة انتقالية يتم فيها التصريح عن الأنشطة الخفية المشروعة قانوناً ولكنها مخفية عن السجلات الحكومية وذلك لأغراض إحصائية فقط، دون تحميلها أي تكلفة ناتجة عن التسجيل والترخيص، وألا يستعمل هذا التصريح لاحقاً لأي غرض كان سواء مالياً أو غيره وذلك لفترة زمنية محددة، ثم تُعامل هذه الأنشطة معاملة الأنشطة النظامية المصرّح عنها».
الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد يرى أن اقتصاد الظل ليس بالضرورة أن يكون سيئاً وإنما هو اقتصاد رديف للاقتصاد الرسمي، وخاصة أن البلدان النامية ومن ضمنها سورية يطغى فيها اقتصاد الظل على الاقتصاد الرسمي، حيث إنه يرفد الناتج المحلي بأرقام إنتاج مهمة ويؤمن فرص عمل لا يمكن للاقتصاد الرسمي تأمينها.
وتابع في حديثه لـ "لوطن": «لو استندنا إلى الإحصائيات المتداولة التي تقول إن اقتصاد الظل يسيطر على 60-70 بالمئة من مجمل الاقتصاد الرسمي، فهذا يعني أننا نتحدث عن قطاعات كبيرة جداً تعمل ضمن إطار هذا الاقتصاد بمعزل عن الاقتصاد الرسمي».
وبالمقابل يعتبر الدكتور محمد أن لهذا الاقتصاد عيوبه أيضاً فهو موجود بعشوائية مفرطة إذ إن بعض الأنشطة تنتشر بشكل كبير في قطاعات معينة على حساب قطاعات أخرى، باعتبار أنه لا توجد رؤى حكومية معينة لتوزعها، فمن الممكن أن تكون أنشطة هذا الاقتصاد منتشرة بكثرة في القطاعات الخدمية والتجارية في الوقت الذي تعد القطاعات الصناعية والزراعية أهم للاقتصاد السوري في الوقت الحالي.
وأضاف: «إضافة إلى ذلك إذا توقفنا عند الإحصائية التي ذكرناها سابقاً، وباعتبار أنه ستتم تغطية نفقات موازنة العام الحالي 2022 عن طريق الإيرادات العامة التي بلغت نحو 9200 مليار ليرة مقسمة إلى 4400 مليار ليرة كإيرادات جارية و 4800 مليار ليرة كإيرادات استثمارية وهي عبارة عن فوائض اقتصادية، وبالقياس في حال اعتبرنا أن 40 بالمئة من الاقتصاد السوري (أي الرسمي) هو الذي يخلق هذه الإيرادات، فهذا يعني أن اقتصاد الظل يحرم الخزينة من إيرادات تقدر بـ13800 مليار ليرة، أما في حال اقتصرنا في الحساب على الإيرادات الجارية فإن اقتصاد الظل يحرم الخزينة من 6600 مليار ليرة».
وفي سياق متصل، يرى محمد أنه لا يمكن تحديد ماهية الأنشطة التي تنضوي تحت مسمى اقتصاد الظل في سورية لعدم وجود إحصائيات رسمية، معتقداً أنها قد تكون في أغلبها تجارية وخدمية، إضافة إلى بعض المنشآت الصناعية الصغيرة جداً.
وفي وقت سابق، قال مستشار التنمية الإدارية وتطوير الأعمال نبراس شاليش أن اقتصاد الظل يشمل وفق المعيار القانوني للنشاط، أنشطة شرعية لكن غير موثقة كما في التهرب الضريبي".
وتالع: "حيث يكون جزء من النشاط لا يخضع للرقابة والاحصاء، وأن من يعملون بالظل لا يدفعون الضرائب، الأمر الذي سيحرم موازنة الدولة من إيرادات ضخمة تحتاجها لتمويل الانفاق الجاري او الاستثماري، ما يضر الاقتصاد السوري بشكل عام ويحرم الخزينة من موارد ضخمة كان من الممكن الحصول عليها".
ولفت إلى أن تنامي اقتصاد الظل يضر أيضا بالمنظومة الاجتماعية فالعمالة في ظله ستكون بدون حصانة اجتماعية تحمي حقوقها كما يحدث في تشغيل الأطفال
وبالرغم مما سبق، فإن لهذا الاقتصاد جانب إيجابي يوضحه شاليش بقوله، " دون ان نغفل أن الظاهرة غير صحية من حيث التصنيف لكن لا شيء سلبي بالمطلق، هو بالنهاية نشاط ينتج عنه دوران للسلع والخدمات وتشغيل للقوى العاملة ومصدر دخل لبعض الأشخاص ممن لم يستطيعوا الحصول على مصدر للدخل او العمل ضمن الاقتصاد الرسمي المقونن".
