في ظل القفزات الجنونية التي تسجلها أسعار الذهب، تشهد الأسواق السورية اليوم تحولاً لافتاً في ثقافة الادخار؛ حيث لم تعد الفضة مجرد إكسسوار للزينة أو حرفة تراثية يدوية، بل برزت كأداة استثمارية قوية “للتحوط” والحفاظ على قيمة الأموال.
هذا الإقبال المتزايد يأتي مدفوعاً بأرباح قياسية حققها المعدن الأبيض خلال العام الماضي، مما جعله “الحصان الأسود” في محافظ السوريين المالية.
سوق دمشق القديمة: صراع بين التراث والطلب الحديث
داخل أزقة سوق دمشق العريقة، يؤكد الحرفي يوسف العبد الله أن حركة البيع والشراء لم تتوقف، لكن طبيعة الطلب تغيرت. فالمستهلك اليوم لم يعد يبحث عن “الخاتم” أو “القلادة” فحسب، بل يتجه لشراء الفضة بـ “الوزن” على شكل أونصات وسبائك لسهولة تسييلها لاحقاً.
ومع ذلك، تواجه هذه الحرفة تحديات تقنية؛ إذ يوضح الحرفي وائل النقشبندي أن الصياغة لا تزال أسيرة الأدوات التقليدية كالمطارق والسندان، وهو ما يعيق تقديم تصاميم عصرية تواكب الأذواق الجديدة.
عجز عالمي وطلب صناعي: لماذا ترتفع الفضة؟
وحسب وكالة سانا السورية لا ينفصل المشهد السوري عن الواقع العالمي. فبحسب الباحث الاقتصادي د. أسامة القاضي، يعيش العالم “فجوة إنتاجية” كبيرة؛ حيث يستهلك العالم سنوياً حوالي 1.24 مليار أونصة، بينما يقل الإنتاج عن هذا الرقم بنحو 230 مليون أونصة.
أسباب الارتفاع العالمي للفضة:
الثورة الخضراء: دخول الفضة كمكون أساسي في صناعة الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية.
القطاع الطبي والإلكترونيات: يُستهلك نحو 50% من الفضة عالمياً في أغراض صناعية بحتة.
الملاذ البديل: توجه الصناديق السيادية للفضة كبديل أقل تكلفة من الذهب في مواجهة التضخم.
مستقبل صناعة الفضة في سوريا
من جهته، يرى مصعب الأسود، المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، أن توفر الخام محلياً واستيراده يفتحان الباب أمام دمشق وحلب لاستعادة ريادتهما. ويؤكد أن المطلوب حالياً هو “تحديث المعدات” لرفع كفاءة المنتج السوري ليتمكن من منافسة الموديلات الآسيوية الوافدة، مشيراً إلى أن نمو سوق الفضة العالمي المتوقع بنسبة 4.5% سنوياً يمثل فرصة ذهبية للصادرات السورية.


