في مفارقة لم تعتدها الأسواق السورية، تحولت “الحمضيات” من فاكهة الفقراء المتاحة للجميع إلى سلعة صعبة المنال، حيث سجلت الأسعار هذا الموسم قفزات غير مسبوقة دفعت الكثير من الأسر لتقليص استهلاكها أو استبدالها بأصناف أرخص ثمناً، وسط غياب شبه كامل لخيارات “المؤونة” الشتوية التي تعتمد على البرتقال والليمون.
الجفاف يضرب قلب “الساحل”: لماذا ارتفعت الأسعار؟
بحسب ما نقلته صحيفة “الثورة” الرسمية اليوم الأحد، فإن أزمة الأسعار ليست ناتجة عن الاحتكار فحسب، بل هي نتيجة تراكمية لعدة عوامل قاسية:
صدمة الإنتاج: تراجع المعروض في الأسواق المحلية بشكل حاد نتيجة موجات الجفاف التاريخية التي ضربت الساحل السوري.
تكاليف النقل: تضاعفت أجور الشحن من اللاذقية وطرطوس إلى دمشق وبقية المحافظات بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، ما جعل كلفة النقل توازي أحياناً كلفة الإنتاج.
انحسار الواردات: أكد باعة في أسواق دمشق أن كميات الحمضيات الواردة للمدينة انخفضت بنسبة 50% مقارنة بالأعوام الماضية.
التصدير ليس المتهم.. المنافسة الخارجية تشتد
على عكس الاعتقاد السائد بأن التصدير هو سبب غلاء الأسعار، نفى رئيس لجنة سوق الهال، محمد العقاد، هذا الأمر، مؤكداً أن حركة التصدير شبه مشلولة هذا الموسم. ويعود ذلك إلى ضعف جودة الثمار وتراجع القدرة التنافسية للمنتج السوري أمام المنتجات المصرية والتركية في الأسواق الخارجية، مما جعل الإنتاج الحالي مخصصاً للاستهلاك المحلي بأسعار مرتفعة.
توقعات صادمة: تراجع الإنتاج بنسبة 50% في 2026
تشير التقارير الصادرة عن مديرية زراعة اللاذقية إلى أن القادم قد يكون أصعب؛ حيث توقع المهندس عمران إبراهيم (رئيس دائرة المكاتب التخصصية) استمرار تراجع المحصول بنسبة تصل لـ 50%.
أسباب الانهيار الزراعي في الساحل:
أزمة الري: انخفاض مخزون السدود دفع الجهات الحكومية لتفضيل “مياه الشرب” على ري البساتين.
ضعف الخدمات: نقص الأسمدة والمبيدات والخدمات الزراعية الأساسية أضعف قدرة الأشجار على الصمود.
جودة الثمار: أدى نقص الري التكميلي في الصيف إلى صغر حجم الثمار وخروج كميات كبيرة منها من دائرة التسويق التجاري.
هذا الواقع يضع واحداً من أهم القطاعات الزراعية في سوريا أمام خطر حقيقي، ويهدد الأمن الغذائي لشريحة واسعة من السوريين الذين كانوا يعتمدون على الحمضيات كمصدر أساسي للفيتامينات في الشتاء.

