في وقت يترقب فيه العالم تحركاً صينياً عنيفاً لإنقاذ ثاني أكبر اقتصاد في الكوكب، فاجأ “بنك الشعب الصيني” الأسواق اليوم الثلاثاء بقرار تثبيت معدلات الفائدة المرجعية.
هذا التوجه يعكس استراتيجية “الجراحة الدقيقة” التي تتبعها بكين حالياً؛ حيث تُفضل الدعم الموجه لقطاعات بعينها بدلاً من ضخ سيولة عشوائية قد لا تحل جذور الأزمة.
الأرقام تتحدث.. ثبات للشهر الثامن
وحسب CNBC عربية أبقى المركزي الصيني الفائدة لأجل عام واحد عند 3%، ولأجل خمسة أعوام (المحرك الأساسي للرهن العقاري) عند 3.5%. ويأتي هذا الثبات المستمر منذ ثمانية أشهر في ظل معطيات اقتصادية مقلقة:
نمو متباطئ: سجل الاقتصاد نمواً بنسبة 4.5% في الربع الأخير من 2025، وهي الوتيرة الأضعف منذ أيام “صفر كوفيد”.
أزمة استهلاك: مبيعات التجزئة هوت إلى أدنى مستوياتها في 3 سنوات عند 0.9%، مما يعكس تراجع ثقة الأسر الصينية.
انكماش تاريخي وتحديات “باركليز”
يشير الخبراء في بنك “باركليز” إلى نقطة بالغة الخطورة؛ وهي أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (المرتبط بربحية الشركات ودخل الأفراد) ظل دون مستوى الـ 4% للعام الثالث على التوالي. هذا المشهد، وبصرف النظر عن عام الجائحة، يعد الأضعف للصين منذ خمسين عاماً، مما يضع صناع القرار أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن تحفيز الطلب في ظل “انكماش” مستمر للأسعار والخدمات؟
بدائل الفائدة.. دعم “تحت الرادار”
بدلاً من خفض الفائدة العام، لجأت بكين إلى أدوات “هيكلية” أكثر ذكاءً:
دعم الشركات الصغيرة والزراعة: خفض تكلفة إعادة الإقراض لهذه القطاعات إلى 1.25%.
تحفيز العقارات التجارية: تقليل الدفعة المقدمة للقروض لتصل إلى 30% لامتصاص المخزون العقاري الراكد.
الابتكار التكنولوجي: إطلاق برامج تمويل خاصة للشركات الخاصة والمتوسطة التي تقود قاطرة الابتكار.
اليوان القوي.. بصيص أمل في الأفق
رغم القتامة الاقتصادية، يبرز “اليوان” كنقطة ضوء؛ حيث ارتفعت قيمته مقابل الدولار متجاوزاً مستوى الـ 7 يوانات. هذا الارتفاع، الذي عزاه المسؤولون لضعف الدولار وهدوء التوترات الجيوسياسية مع واشنطن، يمنح البنك المركزي مساحة للمناورة. ويتوقع محللو “غولدمان ساكس” أن يشهد الربع الأول من العام الحالي خفضاً في الاحتياطي الإلزامي لضخ سيولة جديدة في الشرايين الاقتصادية.
مفارقة التصنيع مقابل الاستثمار
بينما تعاني الأصول الثابتة من تراجع تاريخي بنسبة 3.8% (أول هبوط منذ عقود)، لا يزال قطاع التصنيع والصادرات “الحصان الرابح” للصين بفائض تجاري قياسي لامس 1.2 تريليون دولار. تبدو الصين اليوم كمن يمشي على حبل مشدود؛ تحاول الحفاظ على ريادتها الصناعية مع معالجة جروح غائرة في سوق العمل والعقارات.

