مع بداية عام 2026، دخلت الجيوب السورية مرحلة نقدية جديدة، مختلفة عمّا اعتاده الناس خلال سنوات طويلة من التضخم القاسي وتآكل قيمة الليرة.
ففي خطوة وُصفت بأنها الأجرأ في تاريخه، أعلن المصرف المركزي السوري إطلاق عملية استبدال العملة الوطنية، عبر حذف صفرين من فئاتها النقدية اعتباراً من يناير/كانون الثاني 2026، استناداً إلى المرسوم الرئاسي رقم 293 لعام 2025.
هذه الخطوة لا تُعد مجرد تعديل شكلي في الأوراق النقدية، بل محاولة لإعادة ترتيب المشهد الاقتصادي بعد سنوات من الاختلالات العميقة. فبحسب تقديرات البنك الدولي، انكمش الاقتصاد السوري بنحو 60% منذ عام 2011 حسب العربي الجديد،
بينما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. وخلال هذه الفترة، فقدت الليرة السورية أكثر من 99.5% من قيمتها أمام الدولار، بعدما قفز سعر الصرف من 47 ليرة للدولار عام 2010 إلى ما بين 11,200 و11,700 ليرة في السوق الموازية بنهاية 2025.
لماذا حُذفت الأصفار؟
يبرر القائمون على القرار، وفي مقدمتهم محافظ المصرف المركزي عبد القادر الحصرية، هذه الخطوة بالحاجة الملحة لتبسيط التعاملات اليومية. فقد تحولت أبسط عمليات الشراء إلى معادلات مرهقة، حيث يتطلب شراء سلع بقيمة 50 دولاراً حمل ما يقارب 600 ألف ليرة سورية.
لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تشير إلى دوافع تتجاوز الجانب التقني. فالقرار يأتي في توقيت شهد تحسناً نسبياً في سعر الصرف خلال 2025، من مستويات قاربت 19 ألف ليرة للدولار إلى نحو 11,500 ليرة،
في محاولة لربط هذا التحسن بما يشبه “بداية عهد نقدي جديد”. كما تهدف العملية إلى إعادة تنظيم الكتلة النقدية الضخمة، وتهيئة بيئة حسابية أبسط تمهّد مستقبلاً لإصلاحات مالية أوسع، مثل تحسين الرقابة ومحاولة تقليص حجم الاقتصاد الموازي.
الخطة التنفيذية: اختبار لوجستي صعب
حدّد المصرف المركزي فترة انتقالية أولية تمتد ثلاثة أشهر، قابلة للتمديد، يجري خلالها التداول المتوازي بالعملة القديمة والجديدة. وتشمل الخطة طباعة وتوزيع ما يعادل 42 تريليون ليرة من الفئات القديمة، أي قرابة 13 مليار قطعة نقدية وورقية، عبر أكثر من ألف منفذ تضم مصارف عامة وخاصة ومكاتب صرافة مرخصة في مختلف المحافظات.
كما تتطلب العملية تحديث آلاف أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع، إضافة إلى نقل الأنظمة المحاسبية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص إلى الوحدة النقدية الجديدة، وهي مهمة تقنية معقدة قد تستغرق عدة أشهر لضمان سلاسة التنفيذ.
دروس من الخارج: النجاح ليس مضموناً
تجربة حذف الأصفار ليست جديدة عالمياً. فقد نجحت تركيا نسبياً عام 2005 عندما حذفت ستة أصفار، لكنها رافقت القرار بحزمة إصلاحات اقتصادية شاملة. في المقابل، أظهرت تجربة إيران عام 2020 أن الإجراء التقني وحده لا يكفي، إذ استمر التضخم عند مستويات مرتفعة. أما المثال الأكثر قسوة فهو فنزويلا، التي اضطرت بعد سنوات قليلة إلى إضافة أصفار جديدة نتيجة استمرار الانهيار النقدي.
مخاطر حقيقية تلوح في الأفق
يحذر خبراء الاقتصاد من ثلاثة مخاطر أساسية:
التضخم: ضخ سيولة جديدة في اقتصاد ضعيف الإنتاج قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير منضبط.
الإقصاء الاجتماعي: الفترة الزمنية المحدودة قد لا تكفي لوصول جميع الفئات، خصوصاً كبار السن وسكان المناطق النائية.
الثقة: أي خلل تقني أو شائعات حول العملة الجديدة قد يدفع الناس إلى الهروب نحو العملات الأجنبية، ما يعمّق ظاهرة الدولرة.
ويشير الخبير الاقتصادي زياد عربش إلى أن سوء إدارة العملية قد يحولها إلى أداة غير مباشرة لتمويل العجز، بما يعيد إنتاج الأزمة نفسها بأصفار جديدة.
شروط النجاح: من الورق إلى الثقة
لتحويل هذه الخطوة إلى فرصة حقيقية، يؤكد الخبراء على ضرورة:
الشفافية الكاملة ونشر بيانات اقتصادية منتظمة.
عدالة التنفيذ وضمان وصول الخدمة إلى جميع المناطق والفئات.
إعلان حزمة إصلاحات اقتصادية مرافقة، ولو أولية، تعطي إشارة واضحة بأن تغيير العملة جزء من تغيير أوسع في السياسات الاقتصادية.
العملة الجديدة… أكثر من شكل
في المحصلة، ليست العملة الجديدة مجرد أوراق مطبوعة بتصميم مختلف، بل محاولة لفتح صفحة جديدة في تاريخ اقتصادي مثقل بالأزمات. نجاح هذه الخطوة لن يُقاس بجودة الطباعة أو حذف الأصفار، بل بقدرتها على استعادة جزء من الثقة المفقودة وتحسين القدرة الشرائية للناس. الرهان الحقيقي ليس على تغيير شكل الليرة، بل على تغيير السياسات والمنطق الاقتصادي الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم.


