طوت دمشق وواشنطن عقوداً طويلة من القطيعة المالية، بعدما أنهت الولايات المتحدة رسمياً تصنيف سوريا كـ “دولة راعية للإرهاب” يوم الاثنين 24 أغسطس 2026. القرار جاء عقب انقضاء مهلة مراجعة الكونغرس (45 يوماً) دون اعتراض، ليغلق ملف العزلة التي فرضت منذ عام 1979، ويدشن مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية المتنامية منذ سقوط النظام السابق أواخر 2024.
لماذا يُعَدّ رفع التصنيف نقطة تحول اقتصادية كبرى؟
لم يكن وضع سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب مجرد تصنيف رمزي، بل كان يمثل حزمة متكاملة من العقوبات التي قيدت المساعدات الخارجية الأمريكية، وحظرت تصدير المعدات الدفاعية، وفرضت قيوداً مشددة على التعاملات المالية. وهذا ما دفع المؤسسات المصرفية العالمية إلى تجنب أي نشاط مالي مع السوق السورية خوفاً من الملاحقات القانونية.
وفي تعليق له، أوضح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن هذا القرار «سيسهم في تحفيز الاستثمارات داخل سوريا، مما يعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي»، مشدداً على التزام الوزارة بتنفيذ تعهدات الرئيس دونالد ترامب بتوفير فرص اقتصادية أوسع للشعب السوري.
القطاع المالي والمصرفي على موعد مع انفراجة حقيقية
وحسب CNN اقتصادية يمثل إلغاء هذا التصنيف فرصة استثنائية للقطاع المالي السوري الذي عانى لعقود من العزلة عن النظام المصرفي الدولي.
ووصف حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، القرار بـ”الخطوة التاريخية” التي تعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي على خريطة الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن المصرف يعمل حالياً على «بناء نظام مالي عصري وموثوق، قادر على استيعاب الفرص المتاحة والاستفادة منها».
ومن الناحية العملية، يُزيل القرار أحد أهم موانع الخطر التي تعتمد عليها أقسام الامتثال في البنوك الدولية عند تقييم التعامل مع أي دولة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا إلى زيادة تدريجية في عدد المصارف الأجنبية الراغبة في إقامة علاقات مراسلة مع البنوك السورية، مع تسهيل التحويلات المالية وخفض تكاليفها.
يُذكر أن وزارة المالية السورية كانت قد أعلنت سابقاً عن محادثات مع مسؤولي “بنك أوف أميركا” لبحث آفاق التعاون وإعادة دمج سوريا في المنظومة المالية العالمية.
الاستثمارات الأجنبية وإعادة الإعمار: آمال كبيرة وتحديات ضخمة
اعتبر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن هذا القرار «يزيل آخر العقبات الكبرى أمام استثمارات القطاع الخاص في سوريا، ويمهد الطريق لتعافي الاقتصاد السوري وإعادة اندماجه في الأسواق العالمية».
وتسعى الحكومة السورية إلى جذب استثمارات بمليارات الدولارات لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، بعد حرب استمرت نحو 14 عاماً. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة البناء تبلغ حوالي 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2024.
من جانبه، وصف وزير المالية محمد برنية هذا القرار بأنه “نجاح كبير وتاريخي للدبلوماسية السورية”، معتبراً إياه «الباب الكبير والأخير» الذي سيعزز ربط سوريا بالنظام الاقتصادي والمالي العالمي، ويجذب الاستثمارات والتقنيات الحديثة، ويدعم جهود التنمية.
وأكد برنية أن سوريا «غنية بفرص واعدة في كافة القطاعات»، مشيراً إلى إصلاحات مؤسسية وتشريعية جارية تهدف إلى جعل الاستثمار مجدياً وذا عائد حقيقي.
وكان قد صرح في مقابلة مع CNN الاقتصادية أن الحكومة لا تسعى إلى رقم محدد للاستثمارات، بل تركّز على تهيئة الظروف التي تجعل السوق السورية أكثر جذباً للمستثمرين وتحقيق عوائد تنافسية.
وأضاف أن تخفيف العقوبات كان نقطة تحول جوهرية، وأن اهتمام المستثمرين بسوريا بدأ يرتفع بالفعل، مع وصول مستثمرين من دول وقطاعات متنوعة إلى دمشق لاستكشاف الفرص المتاحة.
قطاعات عدة على موعد مع انتعاشة مرتقبة
لا تقتصر تداعيات رفع التصنيف على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى نطاق واسع من الأنشطة الاقتصادية التي عانت لعقود من هذه القيود؛ فالتجارة والاستيراد والتصدير، خصوصاً للسلع والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، كانت من أبرز المتضررين، إلى جانب قطاعات الطيران والطاقة والاتصالات.
كما أثقل التصنيف كاهل قطاعي التأمين والشحن، وقلص فرص الحصول على التمويل الدولي.
وفي قطاع السياحة، عبّر وزير السياحة مازن الصالحاني عن تفاؤله الكبير، معتبراً أن رفع التصنيف يمثل «ثقة جديدة» تعمل الوزارة على تحويلها إلى مزيد من الزوار والاستثمارات والشراكات.
وأوضح الصالحاني، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن الوزارة تمضي وفق استراتيجية شاملة لتطوير المنشآت الفندقية وتحسين تجربة الزائر، مضيفاً: «لعقود، حملت سوريا تصنيفاً لم يكن يعكس شعبها ولا حضارتها… واليوم تُطوى صفحة أخرى من تلك المرحلة، وتُفتح مساحة أوسع أمام العالم لإعادة اكتشاف سوريا كما تستحق أن تُعرف.»


