انتقل لبنان من سنوات الانهيار الحاد لليرة والتضخم المرتفع إلى مرحلة من الاستقرار النسبي لسعر الصرف والدولرة الواسعة، لكن ذلك لم يُعد الأسعار إلى مستوياتها السابقة. ويرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، جاسم عجاقة، أن الضغوط على الأسر باتت ترتبط بكلفة الاستيراد والضرائب والرسوم واضطرابات سلاسل التوريد، بعدما كان انهيار العملة المحرك الأبرز لارتفاع الأسعار.
ويصف عجاقة في تصريح لقناة “mtv” الوضع الحالي بأنه «حدّ أدنى للأسعار»: مستوى مرتفع استقرت عنده كلفة السلع والخدمات، رغم تراجع وتيرة التضخم. ويشير إلى أن معدل ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك يبلغ 15.7%، مؤكداً أن تباطؤ ارتفاع الأسعار لا يعني انخفاضها أو تحسّن القدرة الشرائية.
من انهيار الليرة إلى ارتفاع كلفة المعيشة
بحسب عجاقة، شهدت الفترة بين عامي 2019 و2023 توسعاً في الكتلة النقدية وانهياراً في سعر صرف الليرة، فيما وصل التضخم السنوي إلى نحو 220% عام 2023. ومع وقف دعم السلع وتسعير معظمها بالدولار، استقر سعر الصرف قرب 89,500 ليرة للدولار، لكن الأسعار بقيت مرتفعة. كما ساهم احتساب «الدولار الجمركي» بأسعار أقرب إلى السوق في زيادة الإيرادات العامة، مقابل ارتفاع كلفة السلع على المستهلكين.
إقرأ المزيد: كلفة معيشة الأسرة اللبنانية تقفز 40% إلى 1260 دولاراً شهرياً.. والأجور تراوح مكانها
ولا تتوزع آثار هذه المرحلة بالتساوي. إذ يقول عجاقة إن الأجور الحقيقية في القطاع العام تراجعت بأكثر من 80% مقارنة بما قبل 2019، بينما ساعدت تحويلات المغتربين، المقدّرة بنحو 6 إلى 7 مليارات دولار سنوياً، بعض الأسر على الحفاظ على إنفاقها. وعمّق ذلك الفجوة بين من يتلقون دخلاً بالدولار ومن يعتمدون على أجور محلية فقدت جانباً كبيراً من قيمتها.
ويربط عجاقة استمرار الضغوط المعيشية أيضاً بتراجع دور المصارف والائتمان، واتساع التعامل النقدي إلى ما يتجاوز 50% من الناتج المحلي الإجمالي. ويقدّر أن نحو 70% من السكان يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد، فيما تتركز نفقات كثير من الأسر على الغذاء والكهرباء والرعاية الصحية.
وفي شأن احتمالات الاحتجاج، يرجّح عجاقة تحركات متفرقة مرتبطة بالأجور وكلفة الخدمات. لكنه يحذّر من أن اضطراب إمدادات السلع الأساسية، إذا ترافق مع تراجع كبير في تحويلات المغتربين، قد يفتح الباب أمام احتجاجات أوسع.





