تتجه سوريا إلى تحويل ملف الأنقاض المتراكمة إلى مورد اقتصادي يمكن أن يدعم جهود إعادة الإعمار، مع تنفيذ مشاريع لإزالة وفرز وتدوير الركام في عدد من المحافظات، أبرزها داريا ودوما وحمص ودير الزور وحلب.
وتُظهر مشاريع إعادة تدوير الأنقاض في داريا ودوما إمكانية تعميم التجربة على مناطق أخرى، بما يسمح بالتعامل مع أكثر من 50 مليون متر مكعب من الأنقاض الموجودة في مختلف أنحاء البلاد، وتحويل جزء منها إلى مواد يمكن استخدامها في الطرق ومواد البناء، إلى جانب توفير فرص عمل وخفض بعض تكاليف إعادة الإعمار.
وبحسب بيانات رسمية وتصريحات لمسؤولين وقائمين على المشاريع وخبراء وفنيين، تمر عملية الاستفادة من الأنقاض بعدة مراحل تبدأ بترحيلها وفرزها ومعالجتها، وصولاً إلى استخراج مواد أولية قابلة للاستخدام في مشاريع خدمية وإنشائية.
من الأنقاض إلى المجبول الإسفلتي
وأوضح مدير المجبل الإسفلتي في النيرب بمحافظة حلب، هاني جبرائيل، أن عملية إعادة تدوير الركام تبدأ بنقل المواد الحصوية من الكسارات إلى المركز الإنتاجي، قبل تحميصها لرفع درجة حرارتها حسب العربية نت.
وأشار، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية “سانا”، إلى أن المواد تنتقل بعد ذلك إلى الغرابيل والموازين لتحديد الكميات المطلوبة، ثم تُخلط بمادة البيتومين عيار 60/70 القادمة من مصفاة حمص، لإنتاج المجبول الإسفلتي.
وفي دوما وداريا، يستهدف أحد المشاريع إعادة تدوير 30 ألف متر مكعب من الأنقاض، بعدما جرى ترحيل 84 ألف متر مكعب من أصل 85 ألفاً، وفق الدفاع المدني السوري.
كما شملت الأعمال المنفذة حتى الآن تكسير وفرز 12 ألف متر مكعب من الأنقاض، بهدف الاستفادة منها في مشاريع خدمية، فيما أسهم المشروع في توفير أكثر من 35 فرصة عمل.
حمص.. أكثر من 8 ملايين متر مكعب من الأنقاض
تتجاوز كمية الأنقاض في محافظة حمص 8 ملايين متر مكعب، حيث بدأت منذ مارس الماضي أعمال مشروع لترحيل وإعادة تدوير الأنقاض انطلاقاً من منطقة الكراج القديم، على أن تمتد الأعمال لاحقاً إلى الأحياء المتضررة.
ويُنفذ المشروع بالتعاون بين محافظة حمص وشركة اتحاد العمران الممثلة لشركة “Erkış” التركية، ويمتد لنحو 3 سنوات، بهدف تحويل الأنقاض إلى طوب وحجارة إنترلوك ومواد بناء.
“فجر الفرات” لإزالة وتدوير أنقاض دير الزور
وفي دير الزور، انطلق خلال سبتمبر الجاري مشروع “فجر الفرات” لإزالة الأنقاض وإعادة تدويرها، وبدأت أعماله من حي الرشدية، على أن تمتد لاحقاً إلى مدينتي البوكمال والميادين.
وقال مدير الجودة والتطوير في المشروع، ماهر عثمان، إن المواد الناتجة عن إعادة التدوير يمكن استخدامها في الطرق والمجبول الإسفلتي والبيتون غير الإنشائي وحجر الرصيف والبلوك، مع إمكانية تطوير استخدامها لاحقاً في الأعمال الإنشائية.
ويستهدف المشروع إزالة وترحيل وإعادة تدوير نحو 8 ملايين متر مكعب من الأنقاض، من أصل نحو 10 ملايين متر مكعب في مدينة دير الزور.
ومن المقرر تنفيذ المشروع على مدى 18 شهراً، عبر مرحلتين؛ تبدأ الأولى بتفكيك الأبنية المدمرة وترحيل نواتج الهدم، فيما تتضمن الثانية معالجة الأنقاض واستخراج المواد الأولية القابلة للاستخدام في إعادة الإعمار.
حلب تزيل 550 ألف متر مكعب من الأنقاض
وفي محافظة حلب، بلغت كمية الأنقاض التي أُزيلت منذ تحرير سوريا، وبموافقة أصحاب الممتلكات، نحو 550 ألف متر مكعب، وذلك بإشراف وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
وقال محافظ حلب، عزام الغريب، إن الأنقاض التي يجري تدويرها تُستخدم في رصف الطرق ومنصفاتها، بالتنسيق مع الجهات المعنية والمجالس المحلية.
تدوير الأنقاض.. سلسلة اقتصادية جديدة
ويرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبدالرحمن محمد، أن تنظيم عملية تدوير الأنقاض يمكن أن يؤدي إلى إنشاء سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الجمع والنقل، مروراً بالفرز والمعالجة، وصولاً إلى إنتاج مواد البناء.
وأوضح أن هذه السلسلة يمكن أن توفر فرص عمل واستثمارات جديدة، إلى جانب المساهمة في خفض تكاليف إعادة الإعمار والنقل وتقليل الحاجة إلى استيراد بعض المواد الأولية.
وأضاف أن الأنقاض يمكن تحويلها من نفايات إلى مورد اقتصادي من خلال فرز واسترداد المواد القابلة لإعادة الاستخدام، ومنها حديد التسليح والخرسانة والحجارة والطوب.
وأكد محمد أن توسيع نطاق إعادة تدوير الركام يحتاج إلى تشريعات ومعايير فنية وضوابط بيئية، إلى جانب تشجيع الاستثمار والتمويل، مشيراً إلى أن قرب وحدات المعالجة من مواقع الهدم يعزز الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع.
سوريا بلا أنقاض بحلول 2028
وقال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، إن إجمالي حجم الركام والأنقاض في سوريا يُقدّر بنحو 50 مليون متر مكعب.
وأوضح أن نحو 3 ملايين متر مكعب من الأنقاض أُزيلت خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مع استهداف إزالة كمية مماثلة خلال الأشهر المتبقية من العام، والاستفادة منها في إنتاج مواد البناء وتأهيل الطرق.
وأشار الصالح إلى أن الوزارة تستهدف الوصول إلى “سوريا بلا أنقاض” بحلول منتصف عام 2028، في إطار العمل على إزالة مخلفات الأبنية المدمرة وتحويل ما يمكن منها إلى مواد تخدم مشاريع إعادة الإعمار.






