تواجه شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، أكبر شركة في أوروبا من حيث القيمة السوقية، صعوبة متزايدة في مواكبة الطلب العالمي على معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، مع إقرارها بأن طاقتها الإنتاجية لن تكون كافية لتلبية احتياجات العملاء خلال عامي 2027 و2028، رغم خططها لزيادة الإنتاج.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتسارع فيه استثمارات الذكاء الاصطناعي، وترتفع فيه حاجة شركات التكنولوجيا إلى رقائق أكثر تطوراً لتشغيل المعالجات ومراكز البيانات. وبينما تعهد الرئيس التنفيذي للشركة، كريستوف فوكيت، في أبريل الماضي ببذل كل ما يلزم لتجنب تحولها إلى عائق أمام صناعة الرقائق، أقر بعد ستة أشهر بأن الإنتاج سيظل دون مستوى الطلب خلال العامين المقبلين.
وتتركز الأنظار الآن على قدرة «إيه إس إم إل» على توسيع إنتاجها بالسرعة المطلوبة، خصوصاً أن أسهمها ارتفعت بنحو 70% منذ بداية العام، فيما تتزايد التساؤلات بشأن استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي والعوائد التي يمكن أن تحققها الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع.
الطاقة الإنتاجية تهدد بتقييد نمو صناعة الرقائق
قال هان ديبرينك، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة إدارة الثروات «أوريوس»، التي تمتلك أسهماً في «إيه إس إم إل»، إن الشركة أصبحت بنفسها عنق زجاجة أمام صناعة الرقائق، بعدما أقرت إدارتها بأن زيادة الطاقة الإنتاجية بنحو 30% في كل من عامي 2027 و2028 لن تكون كافية لمواكبة الطلب المتوقع.
وأشار ديبرينك إلى أن النقاشات مع العملاء بشأن الطلبات المستقبلية امتدت بالفعل إلى عامي 2029 و2030، وهو ما قد يعكس استمرار نقص المعروض حتى بعد انتهاء دورة السوق الحالية.
ولمواجهة تراكم الطلبات، تعمل الشركة على تقليص فترات تجميع المعدات، وتحديث الآلات الموجودة لدى العملاء، وتطوير طرازات أسرع. وكانت تستهدف الوصول إلى إنتاج سنوي يبلغ 110 آلات من معدات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى «إي يو في» بحلول عام 2028، لكنها تدرس حالياً إضافة نحو 12 آلة أخرى إلى هذا الهدف.
وتبلغ تكلفة الآلة الواحدة من هذه المعدات المتقدمة نحو 200 مليون دولار، ما يعكس حجم الاستثمارات المطلوبة لتوسيع القدرة التصنيعية اللازمة لإنتاج أحدث الرقائق.
كما تخطط «إيه إس إم إل» لتوسيع قدراتها التصنيعية في مدينة أيندهوفن الهولندية، غير أن المرحلة الأولى من التوسع لن تدخل الخدمة قبل عام 2029، ما يعني أن أثرها لن يظهر سريعاً في معالجة ضغوط الطلب الحالية.
وفي المقابل، أكد فوكيت للمستثمرين يوم الأربعاء أن سلسلة الإمداد ليست العامل الذي يحد من إنتاج الشركة، بما في ذلك أنظمة البصريات الرئيسية التي توفرها شركة «زايس» الألمانية.
تراجع تقييم السهم رغم توقعات نمو الأرباح
لا تقتصر التحديات على القدرة الإنتاجية، بل تمتد إلى تقييم «إيه إس إم إل» في الأسواق المالية، مع تزايد الغموض بشأن أدائها بعد عام 2028. فمنذ يونيو/حزيران، تراجع أداء السهم نسبياً، رغم استمرار المحللين في رفع تقديراتهم للأرباح المستقبلية.
وقال مارك سلون، مدير المحافظ الاستثمارية في «ستونهايج فليمنغ»، التي يمتلك صندوقها «غلوبال بست آيدياز» حصة تبلغ 3.5% في الشركة، إن انخفاض مضاعف تقييم السهم إلى نحو 30 مرة من الأرباح المتوقعة، مقارنة بأكثر من 45 مرة في يونيو/حزيران، جعله أكثر جاذبية بالنظر إلى فرص النمو ومكانة الشركة المهيمنة في السوق.
وأوضح أن الصندوق يراقب تطور استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والابتكار، إلى جانب خطط الإنفاق الرأسمالي لدى العملاء الرئيسيين، مشيراً إلى أن محدودية المعروض، وليس ضعف الطلب، ستبقى على الأرجح العامل الأكثر تأثيراً في نمو الشركة.
وتتوقع «إيه إس إم إل» أيضاً الاستفادة من زيادات الأسعار خلال عامي 2027 و2028، في ظل استمرار الطلب على معداتها المتخصصة.
مخاوف من تراجع زخم الذكاء الاصطناعي تضغط على السهم
رغم الطلب القوي، لا تزال هناك مخاوف لدى بعض المستثمرين من أن الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا يحقق عوائد تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة.
وتعرضت أسهم شركات الرقائق لضغوط إضافية بفعل المخاوف من ارتفاع أسعار الفائدة، وما قد يترتب عليه من زيادة تكاليف تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. كما بلغت تكلفة التأمين ضد التخلف عن سداد ديون شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية يوم الخميس.
وقال جاناردان مينون، المحلل لدى «جيفريز»، إن صعوبات تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي والقيود التي تواجه توسع مراكز البيانات، بما في ذلك توافر الكهرباء، قد تؤثر سلباً على أداء «إيه إس إم إل».
وفي هذا السياق، تراجع سهم الشركة بنسبة 5% يوم الخميس، بالتزامن مع موجة هبوط أوسع في الأسواق.
وأضاف مينون أن التشكيك في التوقعات المرتفعة لأداء الشركة خلال عامي 2028 و2029 يشكل عاملاً رئيسياً وراء تراجع تقييم السهم، لافتاً إلى احتمال انخفاض مضاعف السعر إلى الأرباح إلى مستويات أوائل العشرينيات خلال فترة التراجع الاقتصادي.
«إيه إس إم إل» تواجه سباقاً لحجز معدات تصنيع الرقائق
على الرغم من القيود الإنتاجية، يواصل كبار العملاء التنافس للحصول على معدات «إيه إس إم إل»، التي يصعب العثور على بدائل مكافئة لها. وبدأت الشركة طلب دفعات مقدمة كبيرة عند تقديم الطلبات، فيما قال المدير المالي روجر داسن إن هذه الدفعات ستكون «مؤلمة بما يكفي» إذا قرر العملاء إلغاء طلباتهم لاحقاً.
وكانت شركة «تي إس إم سي» التايوانية، أكبر عملاء «إيه إس إم إل»، قد أكدت في يوليو/تموز أنها لا تتوقع أن تشكل إمدادات المعدات عائقاً أمام خطط توسعها. كما أبقت يوم الخميس على خطط إنفاق رأسمالي تتراوح بين 60 و64 مليار دولار خلال عام 2026، مدفوعة بالطلب القوي على الرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما فيها المعالجات التي تنتجها لصالح «إنفيديا» و«أبل».
وفي قطاع الذاكرة، تحجز شركات «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» و«مايكرون» طاقة إنتاجية لدى «إيه إس إم إل»، للاستفادة من الطلب المتنامي على رقائق الذاكرة المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وقد يزداد الضغط مع دخول مشترين جدد محتملين إلى السوق، إذ يمكن أن يتحول مشروع «تيرافاب» المقترح من إيلون ماسك، والذي لم ينتج رقائقه الأولى بعد، إلى أحد المشترين الكبار للمعدات المتقدمة.
في المقابل، تشكل القيود الأميركية المفروضة على الصين خطراً على مبيعات الشركة من معدات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة «دي يو في» من الفئة المتوسطة، إذ يُتوقع أن تمثل الصين نحو 20% من مبيعات «إيه إس إم إل» خلال العام الحالي.
لماذا تتريث الشركة في قبول طلبات 2029 و2030؟
على الرغم من المنافسة الشديدة على معداتها، لا تزال «إيه إس إم إل» تؤجل قبول طلبات جديدة لعامي 2029 و2030، إلى حين تقييم احتياجات العملاء وقدرتها الفعلية على توفير المعدات المطلوبة.
وأوضح داسن، خلال الاتصال مع المحللين عقب إعلان النتائج، أن الشركة لا تريد تأكيد طلبات ثلاثة عملاء، ثم إبلاغ عميل رابع لم يتقدم بطلبه بعد بأن الطاقة الإنتاجية المتاحة قد استُنفدت.
ويعكس هذا النهج محاولة لتحقيق التوازن بين الاستفادة من الطلب القوي وتجنب الالتزام بتوريدات مستقبلية لا تستطيع الشركة ضمان تنفيذها. ففي الوقت الذي تتسابق فيه شركات الرقائق لتأمين المعدات اللازمة للتوسع، تواجه «إيه إس إم إل» اختباراً حاسماً يتمثل في تحويل الطلب المتزايد إلى نمو فعلي، من دون أن تتحول محدودية الإنتاج إلى عائق أمام خططها أو أمام صناعة أشباه الموصلات بأكملها.


