حذّر وزير مالية فرنسا رولاند ليسكور من أن باريس مطالبة بإثبات قدرتها على استعادة ثقة الأسواق المالية، وتفنيد المخاوف من تحولها إلى «رجل أوروبا المريض»، وذلك عبر إقرار موازنة عام 2027 واحتواء الاحتجاجات من دون اللجوء إلى إنفاق حكومي إضافي.
وقال ليسكور، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز»، إن استعادة ثقة المستهلكين والشركات تمثل شرطاً أساسياً لإنعاش النمو الاقتصادي، مؤكداً ضرورة أن تُظهر فرنسا قدرتها على تجاوز أزمتها بجهودها الذاتية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطاً مالية متزايدة، بعدما ارتفعت تكاليف الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها منذ نحو 25 عاماً، وسط قلق المستثمرين من عجز الحكومة عن السيطرة على الإنفاق العام.
موازنة 2027 تحت اختبار الأسواق
تواجه الحكومة الفرنسية تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضبط المالية العامة واستعادة ثقة المستثمرين، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان، والتي تتصدر فيها زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان استطلاعات الرأي، وفقاً للنص.
ويخشى مستثمرو السندات أن تؤدي التطورات السياسية إلى مزيد من عدم الاستقرار، بما يزيد صعوبة ضبط العجز المالي واحتواء الإنفاق الحكومي.
وفي المقابل، حصلت الحكومة على متنفس الأسبوع الماضي، بعدما أبقت وكالة «موديز» التصنيف الائتماني لفرنسا دون خفض، خلافاً لما كان متوقعاً على نطاق واسع. ووصف ليسكور القرار بأنه بمثابة تصويت بالثقة في الاقتصاد الفرنسي.
وأضاف الوزير أن الوكالة ذكّرت باريس بالتحديات التي يتعين عليها معالجتها، لكنها أشارت أيضاً إلى امتلاك الاقتصاد الفرنسي مقومات يمكن البناء عليها.
الاحتجاجات تضيق خيارات الحكومة الفرنسية
تزامنت الضغوط المالية مع احتجاجات واسعة شهدتها فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة، اتسم بعضها بالعنف، ما وضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين مطالب الشارع ومخاوف الأسواق من زيادة الإنفاق.
وتاريخياً، لجأت الحكومات الفرنسية إلى تقديم تنازلات مالية لاحتواء الاحتجاجات. ففي عام 2019، أعلنت الحكومة تخفيضات ضريبية وإجراءات دعم بقيمة 17 مليار يورو، في محاولة لتهدئة حركة «السترات الصفراء».
لكن تكرار هذا النهج يبدو أكثر صعوبة في ظل الضغوط الحالية على الموازنة وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وعندما سُئل ليسكور عما إذا كانت الحكومة قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، استبعد ذلك في ظل الوضع المالي الراهن وضغوط الأسواق، قائلاً: «لا نملك المال، لذا علينا أن نكون مبتكرين».
وتواجه فرنسا بذلك اختباراً اقتصادياً وسياسياً يتمثل في إقرار موازنة 2027، وضبط الإنفاق العام، واحتواء الاحتجاجات، من دون اتخاذ تدابير مالية قد تزيد مخاوف المستثمرين بشأن استدامة الدين العام.


