رغم اعتراف الجميع أن فساد الأزمة يمثل خطراً كبيراً على مؤسسات الدولة واستمراريتها، لدرجة جعلت الكثيرين يطلقون مصطلح "دواعش الداخل" في إشارة منهم للفاسدين، إلا أن ذلك لم يحفز على رصد علمي وموضوعي لظاهرة الفساد وأشكالها وأساليب مرتكبيها، رصد يمهد لإطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد وفق آليات وخطوات منظمة ومتكاملة، فمثلاً إلى الآن ليس هناك تقديرات حول حجم الفساد والعائلات المعتاشة عليه، أو خسائر الدولة سنوياً جراء عمليات الاختلاس والتجاوزات وهدر الما العام، أو طبيعة التحولات التي طرأت على الفساد خلال سنوات الأزمة، والأهم أين تذهب أموال الفساد؟ وأين تستثمر أو تنفق؟!
في ضوء ذلك، حافظت الدولة على آلياتها التقليدية المتبعة قبل الأزمة في مكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة، أي الاعتماد على عمل الجهتين الرقابيتين الشهيرتين: الجهاز المركزي للرقابة المالية، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إضافة إلى التحقيقات التي تجريها بعض الجهات ويجري تحويلها لاحقاً إلى القضاء.
ولكن لا بد من مواجهة الفساد بشكل مختلف عما هو مطبق حالياً، وهذا لن يتحقق إلا بتشريع جديد يضع الجميع تحت المحاسبة، وبأجهزة تفتيشية أكثر استقلالية وموضوعية ومهنية في عملها، وإلا فأن الجهود ستبقى قاصرة عن اللحاق بهذه الظاهرة.
فمثلاً، إن عدد قرارات الحجز الاحتياطي التي صدرت خلال العام الماضي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهمين بقضايا فساد بلغ نحو 754 قراراً، وذلك ضماناً لنحو 23.047 مليار ليرة.
ووفق ما يؤكده مصدر خاص في الوزارة فإن قرارات الحجز الاحتياطي تصدرها عادة وزارة المالية كإجراء احترازي ريثما تستكمل الجهات المعنية تحقيقاتها.
وزادت قرارات الحجز مقارنة بالعام 2011 بنسبة 301 % كما أن المبالغ التي تم اكتشاف اختلاسها زادت بنسبة تصل إلى 480 %.
كذلك الأمر بالنسبة للمبالغ المكتشفة من قبل الجهاز المركزي للرقابة المالية، فتحقيقات مفتشي الجهاز أشارت إلى وجود سبعة مليارات ليرة كمبالغ مختلسة أو مهدورة تم اكتشافها خلال العام 2015 بزيادة قدرها مليار ليرة عن العام 2014، في حين لم تتجاوز المبالغ المكتشفة بنتيجة تحقيقات الجهاز في العام 2010 على 400 مليون ليرة، أي هناك زيادة نسبتها نحو 1650 %.
بالمحصلة فإن حجم مبالغ الفساد التي وضعت الجهات الرقابية يدها عليها لم تتجاوز في العالم الماضي 30 إلى 35 مليار ليرة، وهذا مبلغ يبدو ضئيلاً مقارنة بحجم الفساد الذي بات يشكل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وذلك في ظل انتشار الأعمال الغير مشروعة في سنوات الأزمة، فضلاً عن عمليات الاختلاس الكثيرة والتهريب الذي تقدر قيمته الشهرية حوالي 150 مليون دولار.
لا يمكن الاكتفاء بالحديث عن مكافحة الفساد، بل هناك حاجة لبنى جديدة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد الذي فرضته الأزمة، عندئذ سيرى المواطن إحالة كثير من الفاسدين إلى القضاء، وبناء مناخ أعمال جاذب ومؤثر في الحياة الاقتصادية للبلاد.
المصدر: صحيفة الأيام السورية


