بعد أن عشش الفساد في المؤسسات الحكومية الرسمية في سورية، ورسم طريقه بشكل انسيابي وتطور الى ثقافة استبدلت منظومة الفساد والسرقة غير المشروعة بالاكرامية والفهلوية والشطارة والتحايل على العيش ،جعلت من سورية في آخر قائمة مؤشر الفساد عربيا وعالميا، وتعززت هذه المكانة خلال الازمة في سورية، تطل علينا الحكومة اليوم بمشروع أسمته "مشروع قانون الكشف عن الذمة المالية" .
وبغض النظر عن مصير هذا المشروع ،ويكفي لأي مراقب النظر الى الافكار والمشاريع والمسودات والتصريحات والنوايا التي أطلقت في سورية منذ أكثر من 50 عاما حتى اليوم حتى يحكم على هذا المشروع ومصيره، كون المواطن الذي يكتوي بنار الفساد يوميا أصبح يعرف جيدا من هو الفاسد ؟ ومن يحميه؟ والطريق الأقصر للوصول الى الكرسي التي تدر المنفعة والفائدة غير الشرعية .
ومن خلال متابعة دقيقة من قبل موقع بزنس 2 بزنس لمجريات ورشة العمل التي أقامتها وزارة التنمية الإدارية حول ما اسمته مشروع قانون ، وردود الأفعال لشريحة من المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي وأمنيتنا الكبيرة أن يرى هذا المشروع النور، وأن تكون سورية من الدول الأولى التي تخلصت من الفساد، وتحتل المراتب الاولى على قائمة منظمة الشفافية الدولية لمؤشر الفساد ،الا أنه للأسف هناك مقولة شعبية تقول "لو بدها تمطر كانت غيمت" .
فبالرغم من توقيع سورية لعدة اتفاقيات عربية ومع الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واعدادها في وقت سابق لعدة مشاريع قوانين تتعلق بمكافحة الفساد ،أخذت من النقاش والجدال ما أخذته، الا أن هذه المشاريع لم تر النور لأسباب عديدة لسنا في وارد عدها ،لكن نقول أن الفساد زاد وخاصة بعد انخفاض معدلات دخل المواطن شهريا الى أقل من 60 دولارا .
ويرى خبراء في البرمجة المعلوماتية ، ان الحكومة الالكترونية والشفافية في التعامل هم أهم أدوات مكافحة الفساد، وهذا المشروع معطل منذ سنوات وحتى اليوم لا يوجد لدى المؤسسات شيء اسمه طلب الكتروني ، بل انت بحاجة الى الذهاب الى الكشك وكتابة طلب وتصوير هوية ووثائق وغيرها، فيمكن لأي عاقل ان يتخيل أين نحن اليوم من الحكومة الإلكترونية، أو ما يطرح في بعض الدول القريبة منا ، ما يسمى بحكومة البيانات المفتوحة .
صحيح ان وزيرة التنمية الادارية استطاعت جمع بعض المعنيين في جلسة عصف ذهني لعدة ساعات ، لكن للأسف الكلام المختصر الذي سمعته ان "مشروع القانون ولد ميتا" ويؤكد ذلك مزاج الشعب السوري الذي يدرك جيدا من هو الفاسد، ويراقب جاره الذي ما أن انتقل الى كرسي اداري حتى تبدلت السيارات والأبنية والمحلات والبذخ المادي المذهل، بالرغم من أن اسرته وأخوته تربوا في بيوت فقيرة وكانوا غير قادرين على تأمين حاجتهم اليومية .
ويرى اقتصاديون أن هناك بعض قضايا الفساد تطرح هناك وهناك منذ سنوات، بعضها يتم تقريعها ،وبعضها يجرى لملمتها، وبعض أبطالها جلس على كرس المسؤولية أكثر من 20 عاما، ومن ثم اتهمت بملفات وتلقت احكاما لسنوات، وهنا السؤال كيف يتم ترك المسؤول سنوات طويلة يصول ويجول ومن ثم يفتح ملفه بطريقة هليودية لمقاصصة ما ارتكبه، أين كانت أجهزة الرقابة الداخلية والرقابة المالية والتفتيش والجهات الأخرى المعنية .
في المختصر تحول الفساد الى ثقافة، والفشل الإداري في ضبط الفاسد خلال السنوات الماضية لن يجيب بسهولة على سؤال من أين لك هذا ، والتخدير المستمر بإلقاء مشروع قانون في الاعلام حول مكافحة الفساد لن تردع الفاسدين، ولا يمكن لأي عاقل أن يصدق أن هذا المشروع سيرى النور خارج البوستات والنكت الدائرة اليوم .

