لطالما كانت الطبقة الوسطى في المجتمع السوري هي الطبقة الأهم والأوسع والتي كانت تسبب استقرارا اقتصاديا واجتماعيا، و تعتبر الطبقة الوسطى عادة المحرك الأهم لعجلة أي اقتصاد، ولكنها بدأت بالتلاشي شيئا فشيئا خلال سنوات الحرب.
تجاوز التزايد المتسارع في “التفاوت” المجتمعي ما كان يوصف بغني وفقير، إذ أصبح التوصيف اليوم أقرب للثراء الفاحش أو الفقر المدقع، وذلك مع اضمحلال الطبقة الوسطى، وانخفاض الأجور، والقفزات الهائلة بمعدلات التضخم، والخلل في توزيع الثروات، ما ساهم بنشوء شريحة من أباطرة المال بأنماط استهلاكية شاذة لم تكن تظهر بهذه الفجاجة سابقاً.
أستاذ الاقتصاد الدكتور زكوان قريط أوضح لصحيفة البعث أن الخلل في توزيع الثروة هو ما شكّل هذا التفاوت، فأصحاب الدخل المحدود راتبهم شبه ثابت، أما أصحاب المهن الحرة فقد زادت كل مستحقاتهم وتعويضاتهم، يضاف إلى ذلك تجار الأزمة الذين مارسوا دوراً خطيراً في الاحتكار والاستفادة من الأزمة لتحقيق أرباح فاحشة.
وأكد قريط أن الطبقة الوسطى تندثر اليوم بعد أن تحول أفرادها لتحت خط الفقر، وفي ظل غياب الإحصائيات الرسمية يمكن تقدير أنها لا تتعدى 10%، فيما كانت قبل الأزمة 60%، وهي اليوم تضم الفئات العاملة في القطاع الخاص، وبعض المهن الحرة.
وعن الحلول، شدّد قريط على ضرورة إعادة توزيع الدخل الوطني، وتوجيه تلك الثروات إلى عجلة الإنتاج لننطلق بعملية إنتاجية تدعم سير الاقتصاد بأسس صحيحة لتطوره، وتحقيق العدالة في المجتمع، مع التأكيد على عدالة الأجور، وإحداث قفزة جريئة وليست خجولة مقتصرة على 20-30% لتسد الفارق المجتمعي.
ولم ير قريط رؤية جيدة للاقتصاد مستقبلاً إن استمر هذا الواقع “المشوّه” على ما هو عليه، حيث توجد شريحة تلهث وراء الكماليات والمظاهر المترفة مقابل الفئة العظمى التي تبحث عن “لقمة الخبز”.
من جهته، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف أن نسبة الطبقة الوسطى من المجتمع بلغت 1 بالمئة، بينما بلغت نسبة الثراء الفاحش 3 بالمئة، في حين تعتبر بقية النسبة وهي 96 بالمئة من الفقراء.
اليوسف، بيّن أن مسببات اضمحلال الطبقة الوسطى بدأت بالحرب الإرهابية التي تلاها الحصار والحرب الاقتصادية، إضافة إلى غياب أية إجراءات لمواجهة انهيارات القدرة الشرائية لليرة السورية، وتغول التجار، والفساد المستشري، كل ما سبق أدى لتراجع الطبقة الوسطى وتحوّلها إلى طبقة فقيرة.
ولفت إلى حدوث ما يشبه سكتة اقتصادية نتيجة كسر سلاسل المستهلكين، فلم تعد هناك قدرة لاستهلاك المواد المنتجة، ما أدخل البلد في مرحلة تضخم وكساد، ومع كل الآثار التي يلمسها المواطن اليوم لهذه المتغيرات، إلا أن النتائج ستكون أخطر مستقبلا، وقد تكون التبعات الاقتصادية أخطر من قبل إذا استمر التعامل مع المتغيرات على ما هو عليه.
يرى اليوسف أن الطبقة الوسطى عادة ما تكون الحامل الأساسي للاقتصاد في أية دولة بالعالم، فهي تنفق على الطبقة الفقيرة، وتستجر إنتاج الطبقة الغنية، وحين تغلب الطبقة الوسطى يحدث توازن اقتصادي بين كل فئات المجتمع.
إلا أن نسبتها حاليا لم تعد تتجاوز 1بالمئة، فيما تحوّل 3بالمئة من المجتمع إلى طبقة فاحشة الثراء، والباقي طبقة فقيرة من بينها 70بالمئة يعيشون في الفقر، ومبينا أن كل إجراءات رفع الدعم، والتعداد بأسعار حوامل الطاقة، ورفع الأسعار، وندرة المواد، تؤدي لتوسع الشرائح الفقيرة.
