شهدت الليرة السورية تحسنًا ملحوظًا في قيمتها خلال الأشهر الماضية، حيث تراجعت أسعار الدولار في السوق السوداء إلى أقل من النصف، مما أثار جدلًا واسعًا حول أسباب هذه القفزة وتداعياتها على الاقتصاد السوري. بينما يرى البعض أن هذا التحسن يعكس استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا، يحذر خبراء من أن الأمر قد يكون مجرد "فقاعة" أو تحسن وهمي قائم على سياسات مرحلية.
فما هي العوامل الحقيقية وراء قفزة الليرة؟ وهل يمكن أن تنفجر هذه الفقاعة في أي لحظة؟تحليل شامل لأحدث التطورات الاقتصادية في سوريا.
اعتاد السوريون الادخار بالدولار للحفاظ على قيمة مدخراتهم في ظل تدهور الليرة السورية خلال فترة النظام السابق. ولكن بسبب تأخر صرف الرواتب وارتفاع أسعار السلع وزيادة البطالة، اضطر العديد لبيع جزء من مدخراتهم لتلبية احتياجاتهم اليومية، ليواجهوا صدمة انخفاض قيمة الدولار لأكثر من النصف، مقابل تحسن ملحوظ لليرة بعد سقوط النظام.
بعض المواطنين اعتبروا تراجع الدولار "سرقة" لمدخراتهم، في حين ربط بعض الخبراء تحسن الليرة بانفتاح سوريا على الدول الأخرى وزيادة مصادر النقد الأجنبي.
عوامل تحسن الليرة السورية
الأكاديمي علي محمد أشار للعربي الجديد إلى أن تحسن الليرة السورية بدأ منذ سقوط النظام في ديسمبر 2023، موضحاً أن عدة عوامل ساعدت في هذا التحسن، أبرزها السماح بتداول العملات الأجنبية وإلغاء المراسيم التي تحظر ذلك، بالإضافة إلى تبني سياسات اقتصادية تتعلق بتجفيف السيولة وتقليص الأجور والتحويلات و اقتصاد السوق الحرة .
كما أوضح أن انخفاض الإنتاج المحلي وضعف الاستيراد أسهم في تراجع الطلب على الدولار. و نظرًا لعدم ثقة السوريين بالمصارف قبل سقوط الأسد، كان الكثيرون يفضلون الاكتناز بالدولار أو الذهب. اليوم، ومع قلة الكتلة النقدية من الليرة، اضطر المواطنون لتصريف مدخراتهم بالعملات الأجنبية، مما زاد عرض الدولار في السوق.
الأكاديمي علي محمد أشار إلى أن المضاربات على الدولار بأسعار منخفضة قد تخلق مشاكل اقتصادية في المستقبل.
ورأى الأكاديمي الاقتصادي أن الأسباب السابقة كافة تلعب دوراً كبيراً في انخفاض العرض من الليرة السورية، مقابل القطع الأجنبي، وبالتالي ضعف الإقبال على شراء الدولار استمرار تحسن الليرة مرهون بالتعاون الدولي الأكاديمي علي محمد أكد أن استمرار تحسن الليرة السورية يعتمد على التعاون الدولي من الدول الحليفة مثل تركيا وقطر والخليج، عبر ضخ نقدي في المصرف المركزي أو بدء استثمارات في السوق السورية.
وأشار إلى أهمية تثبيت سعر صرف معين لضمان استقرار الأنشطة الاقتصادية، معتبرًا أن استدامة هذا الاستقرار عامل أساسي لدعم قطاع الأعمال.
تحسن الليرة "فقاعة" قد تنفجر قريباً
اعتبر الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس أن تحسن الليرة السورية الحالي "وهمي" و"فقاعة" ناتجة عن سياسة حجز السيولة وتقييدها، وهي آلية يجب أن تكون مؤقتة. في تصريح لموقع "العربي الجديد"، أشار الجاموس إلى أن هذه السياسة طبّقها المصرف المركزي خلال حكم النظام السابق لفترة طويلة، لافتًا إلى أن انخفاض الطلب على الدولار نتيجة منع إجازات الاستيراد ساهم في الوضع الحالي.
وحذر من أن سعر الصرف قد يشهد قفزات كبيرة في أي لحظة، مما يستدعي الحذر الشديد.
تثبيت سعر الصرف خطوة ذكية لكن حذر من المضاربات
رأى الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس أن قرار مصرف سورية المركزي بتثبيت سعر الصرف عند 13 ألف ليرة للدولار أو حسب ما رفعه اليوم إلى 13200 ليرة هو خطوة ذكية، تجنبًا لمضاربات السوق السوداء، رغم انخفاضه مؤخرًا إلى 7800 ليرة.
لكن الجاموس حذر من تفاؤل مبالغ فيه بالانفتاح السياسي، مؤكدًا أن هذه السياسات قد تفتح المجال لتجار المال لنشر الإشاعات والتلاعب بسعر الدولار. كما شدد على ضرورة استعادة الثقة بالقطاع المالي وتحفيز الإنتاج المحلي لضمان استقرار حقيقي للاقتصاد السوري.


