عندما بُدئ في إنجاز برنامج الإصلاح الاقتصادي مطلع العقد الماضي، جرى تحليل شامل وجزئي للواقع الاقتصادي والاجتماعي ولمواطن الضعف والقوة في الاقتصاد السوري وما هي التهديدات المستقبلية والفرص المتاحة للتطوير والتحديث، وبناء على ذلك قامت الحكومة المكلفة وقتها بخطوات جريئة نحو الإسراع إلى اقتصاد السوق الاجتماعي وتحرير التجارة وتفعيل دور القطاع الخاص والاستمرار في تطوير القطاع المالي والمصرفي.
وعملت سورية على تحقيق هذه الاستراتيجيات، وقد سنّت لهذا الغرض قوانين وتشريعات مدروسة وهي تعمل على توفير القاعدة الأساسية التي تساعد على رفع مستوى الخدمات المالية والتفاعل مع المستوى الخارجي العربي منه والدولي في ظل المراسيم التشريعية المتلاحقة، فمنها ما يختص بالسرية المصرفية، والمصارف الإسلامية، ومكافحة تبييض الأموال وفتح مجال للمصارف العالمية لدخول السوق المصرفي السوري بما يساهم في تطوير السوق المصرفية والمالية، واجتذاب المدخرات المالية وتمويل المشروعات التنموية للنهوض بالاقتصاد الوطني.
أخذت التشريعات المالية والنقدية دوراً بارزاً في عمليات الإصلاح، وذلك لأهميتها في تحريك عجلة الاقتصاد وجذب الودائع السورية في الخارج (التي قدّرت بحوالي 60 مليار دولار) واستقطابها لرفد القطاع المالي والمصرفي السوري الذي يساهم في 10% من الناتج المحلي السوري، حسب الدراسات الصادرة في تلك الفترة.
بداية انطلاق عمل المصارف الخاصة صاحبها العديد من الآراء والتيارات المؤيدة والمعارضة، إلاّ أن الولادة تمت أخيراً بيسر وسهولة، وبدأ تأسيس المصارف الخاصة وتتالى افتتاح المصارف ليصل عددها إلى 14 مصرفاً حتى الآن، منها 12 مدرجاً في سوق دمشق للأوراق المالية وهي عودة – سورية، وبيمو السعودي الفرنسي، والدولي للتجارة والتمويل، والشرق، وبيبلوس –سورية، وسورية والخليج، وسورية الدولي الإسلامي، وقطر الوطني – سورية، وفرنسبنك – سورية، وسورية والمهجر، والعربي – سورية، وآخر قيد الإدراج وهو بنك الشام الإسلامي، إضافة إلى بنك بركة الإسلامي.
ورغم الأزمة التي تمر بها البلاد حققت المصارف المدرجة في البورصة في نهاية السنة المالية المنتهية في نهاية كانون الأول من العام الفائت إيرادات جيّدة بلغت قيمتها الإجمالية نحو 36.951 مليار ليرة سورية.
إن هذه المعدلات العالية كانت متوقعة على الرغم من حداثة هذه المصارف وساعدت في تحقيقها عدة عوامل من أهمها: القاعدة الصغيرة والمدروسة التي انطلقت منها المصارف الخاصة في عام 2004، وذلك من حيث الودائع والتسليفات والتوظيفات والكفالات والاعتمادات المستندية وإجمالي الموجودات والكادر والفروع، واتساع السوق المصرفية السورية وضآلة تغطيتها من المصارف العامة، وتوفر الرغبة القوية لدى المصارف الخاصة في استحواذ مساحة أوسع من العمل المصرفي في الاقتصاد السوري وبشكل خاص توطين المصارف الخاصة في التجمعات الاقتصادية التي تحتاج إلى تقديم الخدمات المتطورة، ونمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات 5% – 6% وذلك لعام 2006 حسب تقرير بعثة صندوق النقد الدولي.
كان قرار الحكومة التاريخي بترخيص المصارف الخاصة إلى السوق السورية قراراً صائباً وحكيماً استشف متطلبات المرحلة المستقبلية القادمة لعملية الإصلاح والتطوير، وبصورة خاصة تعاظم فعالية دور القطاع الخاص في العملية التنموية وحاجته لخدمات مصرفية جديدة ومتطوّرة لم تكن المصارف العامة قادرة على تقديمها لأسباب إدارية وروتينية.
وأمام تنامي القطاع الخاص السوري ووصول نسبة مشاركته في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 63% في عام 2006 (كانت في ازدياد مستمر في تطبيق نظام اقتصاد السوق الاجتماعي)، فإن الحاجة أصبحت ملحّة لدعم المصارف العامة بخدمات مصرفية جديدة كبطاقات الدفع الإلكترونية بكل أشكالها، إضافة إلى دورها في دعم إقامة السوق المالية، وتسهيل عمليات تداول الأسهم والسندات في السوق وتسهيل عمليات ترويج الاكتتاب بالأسهم للشركات المساهمة الجديدة، وتراوحت أرباح المصرف التجاري السوري (المصرف الأضخم في سورية حتى تاريخه) حتى نهاية عام 2013 بين 18.50 إلى 20 مليار ليرة قبل احتساب الضريبة والاحتياطيات وقبل اقتطاع المؤونة لمواجهة المخاطر المحتملة، بينما تضاعفت سيولة المصرف العقاري العام الماضي مقارنة مع عام 2012 بمعدل 18% لتبلغ قيمتها 11.851 مليار ليرة وبلغت أرصدته بنهاية عام 2013 نحو 191 مليار ليرة، بينما لم تتجاوز في العام الفائت 179 مليار ليرة ووصل رصيد الأموال الجاهزة لدى المصرف إلى 36.609 مليار ليرة.
وعلى الرغم من تنامي القطاع العام المصرفي فإنه لم يكن ليشكل عائقاً أو منافساً للقطاع العام المصرفي بل كان هذا النمو يرجع إلى عودة رؤوس الأموال الوطنية الخاصة التي كانت مودعة لدى مصارف في الدول المجاورة هذا من جهة، ومن جهة ثانية إعادة تثمير الأموال المجمّدة بدلاً من اكتنازها، الأمر الذي يؤكد التكامل بين هذين القطاعين وهو تكامل ضروري لتنظيم التحديث المصرفي وتفعيل الإقراض لمصلحة الاستثمار والتنمية ورفع معدلات النمو الاقتصادي.
إن تشجيع الاستثمار يتطلب تفعيل أدواته أولاً وهي الجهاز المصرفي والمالي بغية منح القروض المتوسطة والطويلة الأجل سواء أكان ذلك بهدف إقامة مشاريع إنتاجية أم خدمية، هذا بالإضافة إلى توطين شركات مساهمة وطرح أسهمها للاكتتاب العام وذلك لتحويل المدخرات الوطنية وجعلها كتلة استثمارية فاعلة، ومن هنا تكمن وظيفة المصارف الأساسية التي يجب أن تقوم بها لتحقيق معدلات نمو عالية من خلال تفعيل الاستثمارات.
إن الميزة المهمة للمصارف الخاصة في سورية تتركز في كونها توفر مصادر تمويلية وطنية ستكون أكثر ضمانة وسهولة وأقل كلفة من أي مصادر تمويل أجنبية بديلة (وهي ميزة تنافسية كبيرة يتمتع بها الاقتصاد السوري).
إن طبيعة وأجواء العملية المصرفية في الوقت الحالي ومستوى أدائها يجعلانها محفزة وحاضنة للعديد من المشاريع الواعدة والمبتكرة من خلال التوظيف المباشر فيها أو الوساطة لمصلحتها وتوجيه المدّخرات المتوفرة لديها إلى تلك المشاريع.
هذا ما يجعل تحقيق الطموحات السورية وخلق مشاريع إنتاجية استثمارية أقرب منالاً وأسرع تنفيذاً، والأرقام التي تم إيرادها عن حجم تعاملات المصارف الخاصة ومعدلات نمو إيداعاتها وتسليفاتها (وهي أعوام بداية عملها الفعلي) تؤكد تطورها المتنامي رغم أنه ما زال فتياً في طور التأسيس والإنشاء والتوسع.
الملاحظة المهمة هنا أن هذا التطور لم يأت على حساب الجهاز المصرفي القائم والمتمثل بالمصرف التجاري السوري وباقي المصارف العامة، ويلاحظ أيضاً أن أداء وخدمات ومستوى التقانة وتنوّع الخدمات التي أصبحت متوفرة بالمصارف العامة قد ارتقت إلى مستوى أكثر فعالية ونشاطاً، بينما كان الكثيرون يراهنون على أن يكون أي تقدم ونشاط للمصارف الخاصة على حساب المصارف العامة.
لابد من الإشارة إلى أن المصرف المركزي حرص منذ البداية على الترخيص لبنوك كبيرة ومعروفة من ناحية العراقة المصرفية وذلك لضمان تأدية خدمات متطورة وذات مصداقية، كما أدى وجود مصارف عامة عريقة وراغبة بالتطوير إلى خلق جو من المنافسة لتأدية خدمات فعالة.
إن الحديث عن دور المصارف الخاصة وآفاقها ما زال يعطي إيحاء خاطئاً جداً، ونحن نشدّد على أنه لا يمكن أن نفرق بين القطاع الخاص والقطاع العام في هذا المجال وكأنهما متنافسان وكأن نجاح وإيداع وإسهام أي منهما خسارة للطرف الآخر، فالمصارف الخاصة كالمصارف العامة مصارف وطنية تعمل على أسس يفترض أن تكون متساوية ومتماثلة ينظمها ويراقبها ويواجهها جهاز حكومي مسؤول، بموجب قرارات وتشريعات وطنية همّها تحقيق غاية نبيلة ومقدّسة هي خدمة الاقتصاد الوطني بالإضافة إلى كونها تحقق ربحاً لأصحابها.
نحن نجد في تصوّرنا المستقبلي للعمل المصرفي السوري – بجناحيه العام والخاص (اللذين وإن كانا منفصلين مؤسسياً وقانونياً فإن ذلك لا يمنعهما من أن يكونا أيضاً متعاونين متكاملين) أن هناك آفاقاً واسعة ومجالات كبيرة جداً لخدمات قائمة مستجدة ومستقبلية..
لكي يتم تنشيط العمل المصرفي القائم حالياً نتطلع إلى المزيد من الفرص المعطاة له ليصبح أداؤه ودوره أفضل، وبالتالي لا بد من تطوير مبدأ وآلية نظام العمل المصرفي وهو للمصارف الخاصة بإدارة المحافظ المالية للزبائن واستثمارها في شركات وطنية لحساب هؤلاء الزبائن ما يساهم في نقل جزء كبير من موجودات المصارف من ودائع تحت الآجال إلى حسابات استثمارية تساهم في توفير مصدر مهم لتمويل المشاريع عن طريق الملكية والأسهم بدلاً من القروض والاستدانة.
تمكين المصارف من القيام بدور آخر يمكن لها أن تؤدّيه وهو السماح لها بتخصيص جزء من إمكاناتها المالية لتمويل مشاريع جديدة وبمجالات لا تتمتع بضمانة أو تأكيد للنجاح، مقابل ذلك فإن نجاحها -عندما يتحقق- تكون نتائجه ذات مردود وطني ومالي ووطني عالٍ جداً.
إن سورية غنية وواعدة في نظر جميع الباحثين والاقتصاديين ولديها فرص ومجالات واسعة بقدر ما تواجه من صعوبات وتحديات، وبقدر ما نحتاج إلى الإرادة فإننا نمتلك القدرة على تحقيق كل ما نصبو إليه فلا ينقصنا المال ولا الفكر ولا الحوافز، فلدينا العقول النيرة وجميعها تشكل الأرضية الكفيلة بالنهوض من جديد بعد تلاشي الأزمة وتحقيق التنمية المنشودة التي نطمح إليها جميعنا في هذا الوطن.
المصدر: (B2B_ SY_ صحيفة الثورة المحلية)


