في غضون 26 يوماً فقط من إغلاق مضيق هرمز الحيوي، تكبدت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي خسائر فادحة قدرت بما يتراوح بين 18 و20 مليار دولار من عائدات النفط والغاز المباشرة.
في حين يرتفع الرقم إلى أكثر من 25 مليار دولار عند احتساب الخسائر غير المباشرة المرتبطة بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد، وفق تقديرات صادرة عن مؤسسات بحثية غربية متخصصة.
نزيف يومي بمليار دولار
كشف تقدير نشرته منصة “أليانز تريد” (Allianz Trade)، المتخصصة في تقييم المخاطر الاقتصادية في الأسواق الناشئة، أن الخسائر اليومية لدول الخليج من عائدات النفط والغاز وحدها تبلغ نحو 745 مليون دولار. ومع إضافة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل التوريد، يتجاوز إجمالي الكلفة الاقتصادية مليار دولار يومياً، ليصل إلى نحو 25 مليار دولار خلال فترة الإغلاق.
ووفق تقدير آخر نشرته مؤسسة “سولابيلي” (SolAbility)، المتخصصة في تحليل استدامة النماذج الاقتصادية، فإن تراكم هذه الخسائر مرشح للتصاعد إلى عشرات المليارات مع افتراض بقاء أسعار النفط ضمن نطاق يتراوح بين 100 و120 دولاراً للبرميل خلال فترة الأزمة.
دول خليجية تعاني شللاً في الصادرات
في حديثه لـ”العربي الجديد”، أوضح الخبير الاقتصادي، المدير العام السابق في البنك المركزي العراقي، الدكتور محمود داغر، أن التأثيرات الاقتصادية للحرب تتضاعف على دول المنطقة، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت تمد العالم بما يتراوح بين 20% و25% من إجمالي صادرات النفط العالمية.
وأشار داغر إلى تباين قدرة الدول على امتصاص الصدمة بحسب توفر منافذ بديلة:
السعودية: تمتلك منفذاً على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً
الإمارات وعُمان: تتمتعان ببدائل بحرية محدودة عبر الفجيرة
العراق والكويت وقطر والبحرين: تعاني شللاً شبه تام في صادراتها النفطية بسبب اعتمادها الكامل على مضيق هرمز
ولفت داغر إلى أن هذا الانقطاع، المقترن بارتفاع أسعار النفط إلى نحو 112 دولاراً للبرميل، يفاقم الأزمة العالمية، خاصة أن دول الخليج تساهم أيضاً بنحو 30% من احتياجات العالم من الأسمدة، إضافة إلى دورها المحوري في إنتاج البتروكيماويات والألمنيوم.
تعقيدات لوجستية وتكاليف تأمين قياسية
على صعيد سلاسل الإمداد، أوضح داغر أن دول الخليج، رغم وجود مداخل بديلة عبر تركيا وسوريا والبحر الأحمر، تواجه عوائق كبيرة في وصول البضائع نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار تأمين السفن، مشيراً إلى أن “التعسف الإيراني” في محاولة فرض سيطرة أحادية على المضيق المشترك مع عُمان أسهم في تعطيل الصادرات والواردات الحيوية.
خسائر يومية تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار
من جانبه، قدر الخبير في الاقتصاد الدولي دانيال ملحم، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إجمالي الخسائر الناتجة من توقف تدفق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته، إلى جانب الأسمدة الزراعية، وارتفاع تكاليف التأمين وتعطل سلاسل الإمداد، بما يتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار يومياً على مستوى المنطقة.
وأوضح ملحم أن هذه الخسائر تشمل:
ارتفاع أقساط التأمين على السفن والشحن
الاضطرابات اللوجستية وتأخر وصول البضائع
ارتفاع تكاليف الاستئجار والنقل
تراجع حجم التجارة في موانئ المنطقة وانخفاض الإيرادات غير النفطية
احتياطيات ضخمة لكن لا تعوض الهيكل
ورغم أن دول الخليج تمتلك احتياطيات مالية ضخمة وصناديق استثمارية سيادية تمكنها من امتصاص الصدمة على المدى القصير، حذر ملحم من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يحول الأزمة من صدمة مؤقتة إلى مشكلة هيكلية تهدد الأسس الاقتصادية لهذه الدول.
وأشار إلى أن الاعتماد على الإيرادات النفطية لا يزال يشكل ما بين 60% و90% من موازنات دول الخليج، ما يجعل أي انقطاع في هذه التدفقات بمثابة صدمة كبيرة للمداخيل الحكومية.
تراجع حاد في الصادرات يؤكد حجم الكارثة
تدعم بيانات أسواق الشحن هذه الصورة القاتمة؛ إذ تُظهر أرقام تجارية أن صادرات النفط من دول الشرق الأوسط عبر البحر تراجعت بما لا يقل عن 60% في 15 مارس/آذار الماضي مقارنة بمتوسط فبراير/شباط، مع هبوط صادرات ثماني دول، بينها السعودية والإمارات والكويت وقطر، إلى نحو 7.5 ملايين برميل يومياً فقط، بعدما كانت في حدود 26 مليون برميل قبل اندلاع الحرب.
أربع قنوات للخسائر تضرب اقتصادات الخليج
بحسب تقدير “أليانز تريد”، تتوزع الخسائر على أربع قنوات رئيسية:
القناة الأولى – عوائد النفط والغاز المباشرة: فقدان نحو 20 مليون برميل يومياً من التدفقات النفطية.
القناة الثانية – تكاليف الشحن والتأمين: قفزة في أقساط التأمين على المخاطر الحربية بنسبة تتراوح بين 300% و500%، مما يضيف عشرات آلاف الدولارات إلى تكلفة رحلة الناقلة الواحدة.
القناة الثالثة – سلاسل الإمداد غير النفطية: تأخيرات متزايدة في التسليم وتراجع في أحجام إعادة الشحن في موانئ المنطقة.
القناة الرابعة – الاستثمار والنمو: تأجيل قرارات استثمارية كبيرة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، مع زيادة محتملة في مخصصات الأمن والدفاع على حساب مشاريع البنية التحتية وخطط التنويع الاقتصادي.
11% من الناتج المحلي مهدد بالاقتطاع
تشير تقديرات “أليانز تريد” إلى أن إغلاق مضيق هرمز لمدة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع يقتطع نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج مجتمعة، في سيناريو متوسط، ضمن موجة صدمة أوسع قد ترفع التضخم عالمياً بنحو نقطة مئوية كاملة.
أزمة تكشف حدود البدائل
في تحليل نشره مركز “ستيمسون” (Stimson) المتخصص في قضايا الأمن والاقتصاد الدولي، أشار الخبراء إلى أن أزمة هرمز الحالية لا تختبر فقط قدرة دول الخليج على امتصاص صدمة عابرة، بل تكشف أيضاً حدود البدائل اللوجستية المتاحة حالياً، سواء من خطوط الأنابيب أو الموانئ المطلة على بحر العرب.
كما تعيد الأزمة طرح سؤال جوهري حول هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد في جوهره على ممر بحري واحد لتمويل خطط التنويع والتحول الاقتصادي في العقود المقبلة.
