تتصدر مصر دول العالم في إنتاج عجينة الياسمين، بإنتاج سنوي يصل إلى نحو 6.5 أطنان، متفوقة على الهند في إنتاج هذه المادة الخام التي تعد من أهم مكونات صناعة العطور النسائية الفاخرة حول العالم.
ويتركز إنتاج الياسمين المصري في عدد من القرى الصغيرة بمحافظة الغربية في دلتا النيل، وعلى رأسها قرية شبرا بلولة، التي أصبحت مرتبطة بصناعة العطور العالمية، إذ تدخل عجينة الياسمين المنتجة فيها في تركيبة العديد من العطور الشهيرة التي تستخدمها ملايين النساء حول العالم.
وتعتمد صناعة الياسمين في مصر على العمل اليدوي بشكل كامل، حيث يتم قطف الزهور خلال الفترة الممتدة من يونيو حتى ديسمبر من كل عام، نظراً لصعوبة استخدام الآلات الزراعية بسبب رقة الأزهار وتشابك الشجيرات.
وتتعاقد كبرى شركات صناعة العطور الفرنسية مع منتجي عجينة الياسمين المصرية للحصول على هذه المادة الخام، التي تبدأ رحلتها من حقول الدلتا قبل أن تصل إلى مصانع العطور العالمية.
ورغم أهمية هذه الصناعة، يواجه العاملون في جمع زهور الياسمين تحديات تتعلق بطبيعة العمل والأجور. ويقول عمار، وهو طالب في الثانوية الأزهرية يبلغ 17 عاماً، إنه يبدأ يومه بالتوجه إلى الحقول عند الثالثة فجراً لجمع الزهور لعدة ساعات، قبل الذهاب إلى امتحاناته ومواصلة دراسته.
وأوضح أن أجر جمع الياسمين يبلغ 115 جنيهًا للكيلوغرام الواحد، يذهب جزء منه إلى صاحب الأرض، بينما يحصل العامل على الجزء المتبقي، معتبراً أن العائد لا يتناسب مع الجهد المبذول.
كما أشارت فايزة، إحدى العاملات في جمع الياسمين، إلى صعوبة ظروف العمل، حيث يتطلب الأمر الاستيقاظ قبل شروق الشمس والعمل وسط الندى والرطوبة العالقة على أوراق النباتات، مؤكدة أن الأجور الحالية لا تزال منخفضة مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.
ويحتاج إنتاج كيلوغرام واحد من زهور الياسمين إلى قطف ما بين 6500 و7000 زهرة تقريباً، ويستطيع العامل جمع ما بين كيلوغرامين وأربعة كيلوغرامات يومياً بحسب ساعات العمل والقدرة الإنتاجية.
من جهتها، تؤكد الجهات العاملة في تصدير عجينة الياسمين أن الشركات تلتزم بمعايير الحوكمة، بما يشمل مكافحة عمالة الأطفال واحترام الحد الأدنى للأجور، مشيرة إلى أن عدم الالتزام بهذه المعايير قد يؤدي إلى فقدان التعامل مع الأسواق العالمية.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور في مصر نحو 8000 جنيه شهرياً، فيما يرى المصدرون أن العمال الذين يعملون بدوام كامل وفق نظام الإنتاج يمكن أن يحصلوا على دخل يتجاوز هذا الحد.
وتأتي التحديات التي تواجه صناعة الياسمين في ظل موجة التضخم التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، حيث دفعت ارتفاعات الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه المنتجين إلى زيادة أسعار توريد الزهور بنحو 40%.
وبينما تحافظ مصر على مكانتها كأكبر منتج عالمي لعجينة الياسمين، تبقى مستقبل هذه الصناعة مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توازن بين تعزيز صادراتها العالمية وتحسين ظروف آلاف العمال الذين تبدأ رحلتهم يوميًا قبل بزوغ الفجر.


