لم يعد ارتفاع أسعار الهواتف الذكية في مصر عائقاً أمام الراغبين في شراء أجهزة جديدة، إذ يتجه عدد متزايد من المستهلكين إلى التمويل والتقسيط بدلاً من دفع قيمة الهاتف كاملة دفعة واحدة.
ويقول بكري، مسؤول مبيعات في أحد متاجر الهواتف بمدينة السادس من أكتوبر غرب القاهرة، إن شريحة واسعة من الزبائن لا تملك القدرة على شراء هاتف ذكي جديد نقداً، لكنها تستطيع تأمين القسط الشهري، مشيراً إلى أن الهواتف أصبحت من أبرز السلع التي يقبل المصريون على شرائها عبر التمويل الاستهلاكي حسب CNN اقتصادية.
وبحسب أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية المصرية، حصل المستهلكون على تمويلات بقيمة نحو 1.2 مليار جنيه خلال يونيو 2026 لشراء الهواتف المحمولة، ما يعادل 5.6% من إجمالي التمويل الاستهلاكي خلال الشهر، والبالغ نحو 20.8 مليار جنيه.
وخلال النصف الأول من عام 2026، وصلت تمويلات شراء الهواتف المحمولة إلى نحو 3.45 مليار جنيه، مشكلة 4.8% من إجمالي التمويلات الاستهلاكية التي بلغت 71.8 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
واللافت أن التمويلات المخصصة لشراء الهواتف خلال يونيو وحده شكلت نحو 35% من إجمالي التمويلات الموجهة لهذه الفئة خلال النصف الأول من العام، في مؤشر على تصاعد الاعتماد على التقسيط لاقتناء الأجهزة الذكية.
ارتفاع الأسعار يدفع نحو التقسيط
يتزامن هذا التحول مع ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة وتراجع القدرة الشرائية للجنيه، ما جعل دفع ثمن الجهاز نقداً أكثر صعوبة بالنسبة إلى شريحة من المستهلكين.
ويعزو بكري زيادة الإقبال على التمويل إلى تراجع القوة الشرائية، إلى جانب الرسوم والضرائب المفروضة على الهواتف المستوردة، والتي يمكن أن تضيف مبالغ كبيرة إلى سعر بعض الأجهزة مرتفعة المواصفات من علامات مثل «سامسونغ» و«أبل».
ولم يعد الهاتف الذكي بالنسبة إلى كثير من المستخدمين مجرد وسيلة للاتصال، بل تحول إلى أداة أساسية للعمل والدراسة وإجراء المعاملات المصرفية والتسوق واستخدام تطبيقات النقل والتوصيل، إضافة إلى التصوير والوصول إلى مختلف الخدمات والمنصات الرقمية.
ومع توسع استخدام الهواتف في تفاصيل الحياة اليومية، أصبح تأجيل شراء جهاز جديد أكثر صعوبة لدى بعض المستهلكين، خصوصاً عندما يكون الهاتف مرتبطاً مباشرة بمصدر الدخل أو طبيعة العمل.
71.8 مليار جنيه تمويلات استهلاكية
وتزامن ارتفاع تمويلات شراء الهواتف مع توسع لافت في سوق التمويل الاستهلاكي في مصر.
وأظهرت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن إجمالي التمويلات الاستهلاكية خلال النصف الأول من 2026 بلغ نحو 71.8 مليار جنيه، بزيادة نسبتها 88.5% مقارنة بنحو 38.1 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
كما ارتفع عدد المستفيدين من التمويل الاستهلاكي إلى نحو 8.47 مليون عميل خلال النصف الأول من العام، مقابل 4.82 مليون عميل في الفترة المقابلة من 2025، بزيادة بلغت 75.7%.
وسجل شهر يونيو وحده تمويلات استهلاكية بنحو 20.87 مليار جنيه، مقارنة بـ8.87 مليار جنيه خلال يونيو 2025، بارتفاع سنوي وصل إلى 135.2%، فيما اقترب عدد المستفيدين خلال الشهر من مليوني عميل.
الهاتف يتحول إلى أداة تمويل
وتظهر حالات المستهلكين طبيعة هذا التحول بوضوح. فمحمد، الذي يعمل مع شركات متخصصة في تصوير حفلات الزفاف وتصوير العقارات، لجأ إلى التقسيط لشراء أحدث إصدار من هاتف «آيفون برو ماكس» لاستخدامه في عمله.
ويقول إنه سيدفع نحو 5 آلاف جنيه شهرياً أو أكثر بقليل لمدة عامين، مؤكداً أن شراء الجهاز بهذه الطريقة هو الخيار المتاح أمامه.
أما تامر، الذي يعمل في مجال توصيل الطلبات عبر أحد التطبيقات الإلكترونية، فاشترى خلال يونيو هاتفاً من علامة «هونر»، بعدما أثرت إمكانيات هاتفه القديم، وخصوصاً ضعف المعالج وذاكرة الوصول العشوائي، على قدرته في استقبال الطلبات وتنفيذ عمله بالسرعة المطلوبة.
وبالنسبة إلى تامر، لا تمثل الكاميرا المتطورة أولوية، إذ يستخدم الهاتف بشكل أساسي في تلقي الطلبات وتوثيق عملية التسليم، إلى جانب الاستخدامات الشخصية المعتادة.
التقسيط يحافظ على الاستهلاك.. ويؤجل التكلفة
يعكس ارتفاع تمويلات شراء الهواتف مفارقة في سلوك المستهلك المصري؛ فزيادة الاعتماد على التقسيط لا تعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية، بل قد تكون وسيلة للحفاظ على مستوى معين من الاستهلاك في ظل ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، فإن توزيع قيمة الهاتف على دفعات شهرية يخفف العبء المالي المباشر على المستهلك، لكنه يحول جزءاً من الإنفاق الحالي إلى التزام مالي يمتد إلى المستقبل.
