مع استمرار المخاطر التي تواجه حركة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، برز مقترح لإنشاء مسار جديد يتيح لقطر و أبوظبي تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية من دون الاعتماد على المضيق، وسط تقديرات بأن تصل تكلفة المشروع إلى نحو 25 مليار دولار.
وجاء المقترح في دراسة نشرها مركز الخليج للأبحاث بقلم كبير مستشاريه لشؤون الطاقة الدكتور ناجي أبي عاد، الذي اعتبر إنشاء منفذ آمن لصادرات الغاز من المشاريع ذات الأولوية لدول المنطقة.
خط أنابيب ومحطة إسالة جديدة
تقترح الدراسة إنشاء خط أنابيب يبدأ من قطر ويمر عبر السعودية أو الإمارات، وصولاً إلى محطة جديدة لإسالة الغاز يمكن إقامتها في الفجيرة أو على الساحل العُماني.
وبعد إسالة الغاز، يمكن تحميله على ناقلات بحرية وتوجيهه إلى أسواق آسيا وأوروبا، التي تعد من أبرز الأسواق المتأثرة بأي اضطراب في تدفقات الغاز القادمة من الخليج.
ويشير أبي عاد إلى إمكانية تنفيذ المسار داخل الإمارات بمحاذاة خط أنابيب «دولفين»، الذي ينقل منذ عام 2007 كميات من الغاز القطري إلى أبوظبي ودبي والفجيرة وصحار.
ويعد «دولفين» مشروع الغاز العابر للحدود الوحيد الذي جرى تنفيذه في شبه الجزيرة العربية، لكنه لا يمتلك القدرة على استيعاب كامل صادرات الغاز الحالية.
25 مليار دولار تكلفة متوقعة
قدّر أبي عاد التكلفة الإجمالية لإنشاء المسار المقترح، بما يشمل خط الأنابيب ومحطة إسالة الغاز، بنحو 25 مليار دولار.
وتأتي أهمية المشروع المقترح من صعوبة إيجاد بديل سريع لصادرات الغاز، نظراً إلى طبيعة الغاز التي تتطلب نقله إما عبر خطوط أنابيب مباشرة إلى مواقع الاستهلاك، أو بعد تحويله إلى غاز مسال وشحنه بحراً.
قطر وأبوظبي أمام فجوة في تصدير الغاز
أدت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز إلى عرقلة تدفقات الطاقة، في وقت كان المضيق يمر عبره قبل اندلاع الأحداث نهاية فبراير نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وقرابة 20% من إمدادات الغاز المنقول بحراً.
وفي حين تمكنت السعودية من مواصلة تصدير الخام عبر خط «بترولاين» الذي يصل المنطقة الشرقية بمدينة ينبع على البحر الأحمر، واستفادت الإمارات من خط أنابيب أبوظبي إلى الفجيرة، لا يوجد حالياً مسار مماثل قادر على نقل أحجام كبيرة من صادرات الغاز.
ويقتصر خط «دولفين» على كميات محدودة من الغاز القطري، وهي كميات مرتبطة بعقود مخصصة بالكامل للإمارات وعُمان.
18 شحنة قطرية مقابل 509 شحنات
وتظهر البيانات التي أوردتها الدراسة حجم التأثر الذي أصاب صادرات الغاز القطري، إذ لم تغادر مجمع رأس لفان لإسالة الغاز سوى 18 شحنة بين مارس وأغسطس، مقابل 509 شحنات خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وكانت قطر تمثل نحو 94% من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي كانت تمر عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الأحداث، مقابل 6% للإمارات.
وتجعل هذه الأرقام البحث عن مسار بديل أكثر إلحاحاً، خصوصاً أن إعادة توجيه كميات كبيرة من الغاز ليست عملية بسيطة، سواء من ناحية البنية التحتية أو التخزين أو العقود المبرمة مع المشترين.
هل تعوض مشاريع الغاز في الخارج خسائر هرمز؟
استثمرت قطر وأبوظبي في عدد من مشاريع الغاز الطبيعي المسال خارج المنطقة، إلا أن الدراسة ترى أن هذه الاستثمارات لا تمثل بديلاً كاملاً عن إنشاء بنية تحتية تتجاوز مضيق هرمز.
وتملك «قطر للطاقة» حصة في مشروع «غولدن باس» للغاز المسال في ولاية تكساس الأميركية بالشراكة مع «إكسون موبيل».
أما الذراع الاستثمارية الدولية لشركة «أدنوك» الإماراتية «إكس آر جي»، فتملك حصصاً في مشروع «ريو غراندي» للغاز المسال في تكساس، إضافة إلى استثمارات في منطقة روفوما في موزمبيق، كما دخلت شريكاً في مشروع «أرجنتينا إل إن جي» مع «واي بي إف» الأرجنتينية و«إيني» الإيطالية.
لكن هذه الأصول الخارجية، بحسب الدراسة، لا تستطيع وحدها تعويض كميات الغاز التي قد تتعطل نتيجة توقف الملاحة عبر هرمز، بسبب اختلاف الطاقات الإنتاجية والاحتياطيات والالتزامات التجارية.
استثمارات خارجية توفر تحوطاً جزئياً
ترى تاتيانا ميتروفا، الزميلة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن استثمارات قطر وأبوظبي في مشاريع الغاز الأميركية يمكن أن توفر هامشاً من المرونة في مواجهة المخاطر.
وأوضحت أن حصة قطر للطاقة في «غولدن باس» تمنحها خيارات واسعة، في حين توفر حصة «أدنوك» في «ريو غراندي» تحوطاً مماثلاً، وإن كان بحجم أقل.
لكنها أشارت إلى أن حصص الملكية في هذه المشاريع لا تعادل احتياطيات أو إنتاج البلدين، كما أن إمكانية إعادة توجيه الشحنات عند حدوث اضطرابات تعتمد بدرجة كبيرة على مرونة العقود مع العملاء الرئيسيين.
بدوره، يرى أندرياس شرودر من شركة «آي سي آي إس» أن حصة قطر للطاقة في الولايات المتحدة تمثل تحوطاً جزئياً أمام مخاطر الاعتماد على مضيق هرمز، لكنها لا تشكل بديلاً كاملاً، خصوصاً أن الهدف الأساسي من هذه الاستثمارات يرتبط بالاستفادة من نمو صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركي.
مسار بديل للغاز.. مشروع استراتيجي للمنطقة
تضع الدراسة إنشاء منفذ جديد لصادرات الغاز خارج نطاق مضيق هرمز في إطار مشروع استراتيجي طويل الأمد، يمكن أن يوفر لقطر وأبوظبي خياراً إضافياً لتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية عند تعرض الملاحة في المضيق لأي اضطرابات.
ومع ضخامة التكلفة وتعقيدات إنشاء خطوط الأنابيب ومحطات الإسالة، يبقى التحدي الأساسي أمام المشروع هو تحقيق بنية تحتية قادرة على التعامل مع أحجام صادرات الغاز الحالية، وليس مجرد توفير مسار احتياطي محدود.






