خلف الارتفاع الكبير في ثروات قطاع الذكاء الاصطناعي، تتشكل سوق فاخرة لا تظهر كثيراً على منصات البيع التقليدية، إذ يتجه أثرياء التكنولوجيا إلى شراء اليخوت والطائرات الخاصة والعقارات النادرة عبر صفقات خاصة تحكمها السرية والندرة أكثر من الشفافية.
هذه السوق تعتمد على شبكات محدودة من الوسطاء والمحامين ومديري الثروات، الذين يتولون ترتيب الصفقات بعيداً عن الإعلانات العامة، مع استخدام اتفاقات عدم إفشاء لحماية هوية البائع والمشتري وقيمة الصفقة حسب CNN اقتصادية.
اليخوت تكشف مسار الثروة الجديدة
بحسب تقارير إعلامية، تضاعفت مبيعات اليخوت الفاخرة التي تتم خارج السوق المعلنة منذ عام 2019، في مؤشر على تنامي الطلب من أصحاب الثروات الكبيرة.
وتتركز الحركة بشكل خاص في اليخوت التي يتراوح طولها بين 60 و100 متر، إلى جانب الفئة التي تتجاوز 100 متر. ولم يعد المشترون ينظرون إلى اليخت باعتباره وسيلة نقل بحرية فقط، بل كأصل فاخر مصمم وفق احتياجات المالك، ويضم مرافق مثل مهابط الطائرات المروحية، والنوادي الشاطئية، والمسابح، ودور السينما والمنتجعات الصحية.
وقد تتجاوز عمولة الوسيط في بعض هذه الصفقات 250 ألف دولار.
ومن أبرز الأمثلة عرض الرئيس التنفيذي السابق لغوغل، إريك شميدت، يخته «ويسبر» البالغ طوله 95 متراً للبيع مقابل 172.5 مليون دولار، بعدما اشتراه في عام 2023 بنحو 161 مليون دولار وأنفق أموالاً إضافية على تجديده. أما استئجار اليخت فيكلف نحو 1.4 مليون دولار أسبوعياً.
ثروات الذكاء الاصطناعي تتحول إلى أصول ملموسة
تعكس هذه الطفرة تغيراً سريعاً في توزيع الثروة العالمية، بعدما ساهم صعود شركات الذكاء الاصطناعي في تكوين ثروات ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة.
وأحصت «فوربس» ما لا يقل عن 86 مليارديراً مرتبطين بالذكاء الاصطناعي في قائمتها لعام 2026، بإجمالي ثروات وصل إلى نحو 2.9 تريليون دولار.
كما ارتفع عدد مليارديرات العالم بنسبة 13% إلى مستوى قياسي بلغ 3302 ملياردير، بينما زاد متوسط ثروة الملياردير بنحو 25%، مدفوعاً بدرجة كبيرة بارتفاع قيمة الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتتركز هذه الثروات بين مؤسسي الشركات والموظفين الأوائل والمستثمرين في الشركات الخاصة، إلى جانب كبار المساهمين في قطاعات الرقائق الإلكترونية والحوسبة السحابية.
وبينما يبقى جزء كبير من هذه الثروة مرتبطاً بأسهم وحصص يصعب تحويلها سريعاً إلى نقد، تتحول بعض المكاسب الورقية إلى أصول ملموسة مثل اليخوت والطائرات والعقارات الفاخرة.
الطائرات والعقارات تدخلان السباق
لم تقتصر الظاهرة على اليخوت، إذ تشهد سوق الطائرات الخاصة أيضاً دخول جيل أصغر من أصحاب الثروات الجديدة.
وقال رئيس «فليكس جت» إن ثروات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة ساهمت في ظهور جيل جديد من مالكي الطائرات الخاصة، حتى إن الشركة باتت تستقبل عملاء في العشرينيات من العمر.
وتوفر نماذج الملكية الجزئية خياراً أكثر مرونة، إذ تتيح الوصول إلى الطائرات الخاصة دون تحمل التكلفة الكاملة لامتلاك طائرة قد تبقى متوقفة لفترات طويلة.
وفي قطاع العقارات، تتكرر الآلية نفسها، حيث لا تصل العقارات الأكثر ندرة وفخامة بالضرورة إلى السوق العامة، وإنما تنتقل عبر المصارف الخاصة والمكاتب العائلية وشبكات الوسطاء.
ويتيح البيع السري للمالك تجنب اختبار سعر العقار أمام الجمهور، كما يمنح المشتري فرصة لإتمام الصفقة بعيداً عن المنافسة والضجة الإعلامية.
اقتصاد الندرة يتفوق على السلع الفاخرة التقليدية
يرى خبراء أن الثروات الجديدة تدفع الطلب نحو التجارب والأصول التي توفر مستوى أعلى من الخصوصية، بدلاً من التركيز على السلع الفاخرة التقليدية مثل الساعات والحقائب.
وتشير دراسة إلى توقع نمو الإنفاق على التجارب الفاخرة بنسبة تتراوح بين 9% و11%، مقارنة بنمو يتراوح بين 1% و4% للسلع الشخصية الفاخرة.
وتراهن «أورينت إكسبريس»، المملوكة بالشراكة بين «أكور» وLVMH، على هذا الاتجاه من خلال رحلات يخوت تبدأ أسعارها من 25 ألف يورو لأربعة أيام.
سوق ضخمة يصعب قياسها
رغم النمو الواضح، تبقى معرفة الحجم الحقيقي لهذه السوق أمراً صعباً بسبب طبيعة الصفقات السرية. فالأسعار النهائية، وهويات المشترين، وهياكل التمويل غالباً ما تكون مخفية خلف شركات خاصة وهياكل قانونية موزعة بين أكثر من ولاية قضائية.
كما أن استمرار الطلب يرتبط جزئياً بأداء أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، إذ إن أي تراجع حاد في تقييماتها قد يؤثر في شهية الأثرياء لشراء هذه الأصول.
وهنا تظهر المفارقة؛ فالتكنولوجيا التي تهدف إلى خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية تساهم، في قمة هرم الثروة، في صناعة اقتصاد فاخر يقوم على الخصوصية والندرة والتفرد.
ومع استمرار تراكم الثروات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يبدو أن أكثر أجزاء سوق الرفاهية ربحية قد تصبح أيضاً الأقل ظهوراً أمام الجمهور.


