تثير المشروعات العقارية الكبرى في سوريا تساؤلات حول مدى قدرتها على معالجة أزمة السكن، في ظل غياب استراتيجية وطنية متكاملة للإسكان وإعادة الإعمار، ومحدودية قدرة شريحة واسعة من السوريين على شراء الوحدات السكنية المعروضة، ولا سيما العائدين والمهجّرين.
وفي هذا السياق، حذّر عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، عبد الهادي الرفاعي، من أن تتحول هذه المشروعات إلى ساحة للمضاربة على العقارات الفاخرة، بدلاً من أن تكون جزءاً من حلّ الاحتياجات السكنية الملحّة.
أسعار تتجاوز 100 ألف دولار.. لمن تُبنى هذه العقارات؟
وأكد الرفاعي أن تقييم جدوى الاستثمار العقاري يجب أن يستند إلى الاحتياجات الفعلية للسكان، وليس إلى حجم الأموال المعلنة أو قيمة المشروعات وحدها.
وأوضح أن هذه المشروعات تستهدف بصورة أساسية المغتربين وأصحاب الدخول المرتفعة، في ظل تجاوز أسعار الشقق فيها 100 ألف دولار، وهو مستوى يجعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من السوريين، خصوصاً العائدين والمهجّرين الذين فقد كثير منهم مساكنهم.
وبحسب الرفاعي، فإن هذه الفئة من المشروعات لا تستطيع بمفردها تلبية الاحتياجات السكنية الأساسية للسكان، رغم ما تمتلكه من إمكانات لجذب الاستثمارات وتحريك النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
ودعا إلى تعزيز دور الدولة في توجيه الاستثمارات العقارية، ووضع استراتيجية وطنية شاملة للإسكان وإعادة الإعمار، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً، وفق ما نقلته صحيفة «الثورة السورية».
تحذيرات من ارتفاع الأسعار وتفاقم أزمة السكن
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي أن الأثر الاقتصادي لبعض المشروعات السكنية قد يبقى محدوداً، ويتركز لدى شريحة معينة من أصحاب رؤوس الأموال، محذراً من احتمال مساهمتها في ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية على اللاجئين والنازحين الذين فقدوا مساكنهم خلال الحرب.
وأشار الحلبي إلى أن المضاربات العقارية وارتفاع أسعار الوحدات السكنية قد يزيدان صعوبة حصول أصحاب الدخول المنخفضة على مساكن ملائمة، ما يحدّ من قدرة هذه المشروعات على الاستجابة للاحتياجات السكنية الأكثر إلحاحاً.
إعادة إعمار المناطق المدمرة أولوية لمعالجة الأزمة
وشدد الحلبي على أن معالجة أزمة السكن في سوريا تتطلب توجيه الجهود نحو إعادة إعمار المناطق المدمرة، بما يتيح للاجئين والنازحين العودة إلى مناطقهم، ويسهم في استعادة النسيج الاجتماعي ومصادر كسب العيش.
وتعيد هذه التحذيرات طرح مسألة الأولويات في القطاع العقاري السوري: فبين جذب رؤوس الأموال وإقامة مشروعات فاخرة من جهة، وتأمين مساكن ملائمة للمتضررين من الحرب من جهة أخرى، تبقى جدوى الاستثمار مرتبطة بمدى مساهمته في تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان، ضمن رؤية وطنية واضحة للإسكان وإعادة الإعمار.


