عاد التفاؤل إلى سوق البيتكوين بعد أشهر من الضغوط، مع تحسن سعر أكبر عملة مشفرة في العالم وعودة الطلب على صناديقها المتداولة، لكن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة هذا الأسبوع قد يضع موجة التعافي أمام اختبار جديد.
وفي الوقت نفسه، يترقب المستثمرون تصويتاً حاسماً في مجلس الشيوخ الأميركي على تشريع رئيسي للعملات المشفرة، قد يمنح السوق دفعة إضافية إذا أُحرز تقدم في إقراره.
وبعد أن بقيت البيتكوين لأشهر قرب أدنى مستوياتها في عامين عند نحو 60 ألف دولار، ارتفع سعرها في أواخر أغسطس/آب متجاوزاً 70 ألف دولار، مدعوماً بتراجع مؤقت في عوائد سندات الخزانة وتحسن المعنويات في الأسواق.
ويمثل ذلك تحولاً لافتاً للعملة المشفرة، التي هبطت بنحو 50% من ذروتها المسجلة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما تجاوز سعرها 126 ألف دولار.
سوق خيارات البيتكوين تميل إلى الصعود
رغم أن المتداولين لا يتوقعون عودة البيتكوين سريعاً إلى ذروتها السابقة، تحول سوق خيارات العملة المشفرة إلى اتجاه صعودي للمرة الأولى خلال 12 شهراً، وفق بيانات منصة «ديريف.إكس واي زي».
ويراهن عدد من المتداولين على إمكانية وصول البيتكوين إلى 80 ألف دولار أو أكثر بحلول ديسمبر/كانون الأول.
وقال شون دوسون، رئيس الأبحاث في «ديريف.إكس واي زي»، إن مؤشر «انحراف دلتا 25»، الذي يقارن الطلب على خيارات الشراء المتفائلة بخيارات البيع المستخدمة للتحوط من الهبوط، دخل النطاق الإيجابي في 20 أغسطس/آب.
ويعني ذلك أن المتداولين أصبحوا مستعدين لدفع علاوة أكبر لشراء خيارات الشراء التي تستفيد من ارتفاع سعر البيتكوين.
وتتركز عقود الفائدة المفتوحة التي تستحق في 25 ديسمبر/كانون الأول عند سعري تنفيذ يبلغ كل منهما 80 ألف دولار و100 ألف دولار، بقيمة اسمية تقارب 710 ملايين دولار و530 مليون دولار على التوالي، وفق بيانات «ديريف.إكس واي زي».
قرار الفيدرالي يختبر قدرة البيتكوين على الصمود
يأتي هذا التفاؤل في وقت لا تزال فيه البيئة الاقتصادية صعبة، مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية في ظل بقاء التضخم قوياً.
وأظهر استطلاع حديث لـ«رويترز» أن 85% من خبراء الاقتصاد يتوقعون رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه هذا الأسبوع، في أول زيادة منذ يوليو/تموز 2023، بينما يتوقع أكثر من نصف المشاركين زيادة أخرى بحلول مارس/آذار 2027.
كما اقترب عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من 5%، ما يزيد المنافسة على رؤوس الأموال ويضغط عادةً على الأصول عالية المخاطر، ومنها العملات المشفرة.
وقال ماثيو ديب، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «ستاك فاندز» لإدارة استثمارات العملات المشفرة في سنغافورة، إن البيتكوين كانت في منطقة «تشبع بيعي» لفترة من الوقت، مضيفاً أن المتداولين قصيري الأجل يعتبرون بيانات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة تهديدين على المدى القصير.
في المقابل، يرى جوزيف إدواردز، الباحث المالي المستقل، أن رفع الفائدة لن يُنظر إليه على الأرجح كعامل إيجابي فورياً للبيتكوين والأصول المضاربية الأخرى، معتبراً أنه قد «يكبح جماح موجة الصعود الأخيرة».
هل يعود الطلب إلى صناديق البيتكوين؟
ظهرت مؤشرات على تجدد الطلب من المستثمرين في صناديق البيتكوين المتداولة في البورصة، التي تستقطب مستثمرين مؤسسيين وأفراداً.
وبلغت التدفقات الداخلة إلى هذه الصناديق قرابة ملياري دولار خلال الأسبوع المنتهي في 17 أغسطس/آب، بعد ثمانية أسابيع متتالية من التدفقات الخارجة خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران.
وقال جيم فيرايولي، رئيس أبحاث العملات المشفرة في «تشارلز شواب»، إن العاملين في قطاع العملات المشفرة بدأوا يتجاوزون السلبيات الحالية وينظرون إلى الجوانب الإيجابية المحتملة.
وكانت البيتكوين قد تجاوزت 80 ألف دولار في أغسطس/آب، مدعومة بضعف الدولار وخطط وزارة الخزانة الأميركية لإعادة شراء سندات طويلة الأجل، وهي خطوة ساهمت في تهدئة العوائد طويلة الأجل، وأثارت في الوقت نفسه مخاوف بشأن تراجع قيمة الدولار، ما عزز جاذبية الأصول محدودة المعروض مثل البيتكوين.
البيتكوين تعود كأداة للتحوط من تراجع قيمة العملة
قال برايان فيتين، كبير المحللين في «سيبرت فاينانشال»، إن مشهد الطلب الهيكلي على البيتكوين يتحسن، رغم ارتفاع حساسية السوق على المدى القصير للتقلبات المرتبطة بالاقتصاد الكلي ومراكز التداول.
وأضاف أن ما يعرف بـ«صفقة التحوط من تراجع قيمة العملة» بدأت تعود إلى الواجهة، في إشارة إلى شراء أصول يُنظر إليها باعتبارها وسيلة للتحوط من انخفاض قيمة العملات الورقية.
لكن ارتفاع عوائد السندات يبقى عاملاً ضاغطاً على البيتكوين، إذ يجعل الأصول ذات العائد الثابت أكثر جاذبية مقارنة بالأصول التي لا تولد دخلاً.
«قانون الوضوح» ينتظر تصويت مجلس الشيوخ
إلى جانب السياسة النقدية، يترقب المستثمرون تطورات تشريعية يمكن أن تؤثر في مستقبل سوق العملات المشفرة.
ويستعد مجلس الشيوخ الأميركي لإجراء تصويت إجرائي في 15 سبتمبر/أيلول على «قانون الوضوح» للعملات الرقمية، وهو مشروع يهدف إلى وضع إطار تنظيمي للأصول المشفرة وتحديد اختصاص الجهات الرقابية عليها.
ويتطلب التصويت الإجرائي 60 صوتاً للمضي قدماً، فيما لا يزال المشروع يواجه معارضة من بعض الديمقراطيين والجمهوريين.
ويهدف القانون إلى معالجة ما يصفه قطاع العملات المشفرة بالغموض التنظيمي، من خلال تحديد الأصول الرقمية التي تُعامل كأوراق مالية وتلك التي تُصنف كسلع.
ويرى كان-لوكا كويمين، استراتيجي الاستثمار في بنك الأصول الرقمية السويسري «سيغنوم»، أن السوق ربما أخذت بالفعل في الحسبان احتمال عدم إقرار القانون، بعد التأخيرات والمعارضة المستمرة.
لكن فيرايولي يرى أن إقرار المشروع بشكل غير متوقع قد يمثل «محفزاً جوهرياً» يدفع سوق العملات المشفرة إلى مزيد من الصعود.
مستقبل البيتكوين بين الفائدة والتشريع
تقف البيتكوين حالياً أمام مجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من قرار الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، مروراً بالتضخم وعوائد السندات، وصولاً إلى مسار «قانون الوضوح» في مجلس الشيوخ الأميركي.
وبينما تشير تحركات سوق الخيارات وتدفقات صناديق البيتكوين إلى عودة جانب من التفاؤل، يبقى السؤال حول قدرة العملة المشفرة على الحفاظ على تعافيها الأخير، وما إذا كانت هذه الموجة تمثل بداية صعود جديد أم مجرد ارتداد مؤقت.
