يعيش الاقتصاد الأميركي حالياً مشهداً غير مألوف. لم تعد أزمة التضخم مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تحولت إلى حالة “انسداد كامل” في آلية التسعير نفسها.
فبينما تتصاعد تكاليف الوقود والشحن والمواد الخام، يجد أصحاب الأعمال أنفسهم محاصرين بين مستهلك مرهق لم يعد يحتمل أي زيادات إضافية، وسوق لا يرحم أي تراجع في الأرباح.
من متاجر الملابس إلى المخابز والمصانع وشركات النقل، تتكرر القصة ذاتها: لا أحد قادر على رفع الأسعار دون أن يخسر عملاءه، ولا أحد قادر على امتصاص التكاليف دون أن ينزف مالياً.
وهكذا تتحول “المرونة السعرية” التي طالما حكمت الاقتصاد إلى ذكرى، ويبدأ عصر جديد عنوانه الصريح: الأسعار لم تعد تتحرك… حتى لو ارتفعت التكاليف.
رفع الأسعار لم يعد خياراً
وحسب CNN اقتصادية ففي مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، يواجه مايك روش، الشريك في متجر ملابس “بالوما”، مشهداً يعكس حجم الضغوط اليومية: محطة وقود مرتفعة السعر تقع مباشرة أمام متجره.
روش يقول إن وصول سعر الغالون إلى مستويات قريبة من 5 دولارات ينعكس مباشرة على سلوك المستهلكين، مضيفاً أن أي ارتفاع إضافي قد يثير صدمة لدى العملاء.
ويؤكد أن الزبائن باتوا أكثر حساسية للأسعار، وأن رفعها لم يعد ممكناً في الوقت الحالي، حتى مع ارتفاع تكاليف الشحن والنقل.
ويضيف أن شركته، التي تعتمد على مبيعات نصفها من منتجات مستوردة، ستتحمل أي زيادات في تكاليف الوقود بدلاً من تمريرها إلى المستهلك النهائي، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع هامش الربح.
روش يقول: “نفضل أن نربح أقل على كل قطعة بدلاً من رفع الأسعار”.
كما يشير إلى أن تراجع حركة الزبائن داخل المتجر وارتفاع معدلات الإرجاع يعكسان ضعف الثقة الاقتصادية لدى المستهلكين، وهو ما يزيد من حذر التجار.
المخابز في قلب الأزمة
في قطاع الأغذية، يصف نيلز ليدر، الرئيس التنفيذي لشركة “بريد ألون” للمخبوزات العضوية، الوضع بأنه مرحلة لم يعد فيها السوق يقبل تغييرات سعرية بسهولة.
ويقول إن سلاسل التوزيع أصبحت أكثر صرامة تجاه أي زيادة في الأسعار، ما يضع المنتجين بين خيارات صعبة: إما تحمل التكاليف أو تقليص النشاط أو محاولة تمرير جزء منها بشكل مؤقت.
ويضيف أن الشركات المصنعة والموردين يتعرضون لضغوط مزدوجة، إذ ترتفع عليهم تكلفة المواد الخام من جهة، وتكاليف التوزيع من جهة أخرى.
ورغم ذلك، يشير ليدر إلى أن الاعتماد على سلاسل إمداد محلية ساعد شركته نسبياً في مواجهة تقلبات الشحن العالمية، لكنه يعترف بأن ذلك يأتي بتكلفة أعلى للمواد الأولية.
ويؤكد أن الحلول المحلية قد تكون أكثر استقراراً مقارنة بالسلاسل العالمية، خاصة في فترات اضطراب الطاقة.
مصنع يواجه خسائر مباشرة
في ولاية فيرجينيا، تعيش شيرلي مودلين، المالكة لمصنع “3D ديزاين آند مانوفاكتشرينغ”، ضغطاً مختلفاً لكنه أكثر حدة.
فارتفاع أسعار أدوات التصنيع المصنوعة من معادن مثل التنغستن – التي تتأثر بتقلبات مرتبطة بالصراعات العالمية – أدى إلى تضاعف تكاليف بعض المعدات خلال فترة قصيرة.
وتقول مودلين إن العملاء لا يتقبلون زيادة الأسعار لتعويض هذه الارتفاعات، ما يضع المصنع في مأزق مباشر.
وتضيف: “العملاء يريدون المنتج، وإذا لم أستطع توفيره سيذهبون لغيري”.
ومع استمرار ارتفاع تكاليف الوقود والمواد الخام، تقول إنها اضطرت لاتخاذ إجراءات صعبة، من بينها تقليص ساعات بعض الموظفين، بعد أن كانت قد أوقفت زيادات الرواتب العام الماضي بسبب ارتفاع الرسوم والتعريفات.
وتصف الوضع بأنه مؤلم، مشيرة إلى أن كل خيار اقتصادي أصبح ينعكس مباشرة على العمالة والاستقرار داخل الشركة.
قطاع النقل بلا تحكم في الأسعار
أما في قطاع الشحن، فيواجه كريم ميلر، مالك شركة نقل في شيكاغو، معضلة مختلفة: ارتفاع تكاليف الوقود دون قدرة على تمريرها إلى العقود.
ويعمل ميلر ضمن نظام يعتمد على عقود شحن قصيرة الأجل، لكن رسوم الوقود الإضافية لا تعود إليه، بل تبقى ضمن ترتيبات الشركات الكبرى المتعاقدة.
ويقول إن ذلك يجعله غير قادر على تعويض ارتفاع أسعار الديزل، ما يدفعه أحياناً إلى إيقاف بعض الشاحنات مؤقتاً عندما تصبح الرحلات غير مربحة.
ويضيف: “أحياناً يكون الخيار الوحيد هو إيقاف الشاحنة حتى تتحسن الظروف”.
ويشير إلى أن هذا الوضع يضع شركات النقل الصغيرة في خطر مستمر، لأن هامش الربح لديها يتآكل بسرعة مع أي زيادة في أسعار الوقود.

