يشهد قطاع تزويد السفن بالوقود البحري على طول السواحل الإفريقية نشاطاً متزايداً في الفترة الأخيرة، مدفوعاً بتحولات واضحة في مسارات الشحن العالمية.
فقد دفعت التوترات في الشرق الأوسط العديد من شركات النقل البحري إلى تجنب المرور عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، والتوجه بدلاً من ذلك إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما أعاد رسم خريطة الإمدادات البحرية ومنح إفريقيا دوراً أكبر كمحطة رئيسية للتزود بالوقود.
هذا التحول بدأ منذ أواخر عام 2023، مع تصاعد الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، وتزايدت وتيرته مع التوترات الإقليمية الأخيرة، بما في ذلك الضربات العسكرية وإغلاق بعض الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
ونتيجة لذلك، أصبح مسار رأس الرجاء الصالح خياراً أكثر أماناً، رغم أنه يطيل زمن الرحلات.
شركات الشحن الكبرى مثل ميرسك وهاباغ لويد وCMA CGM أعلنت بالفعل إعادة توجيه سفنها عبر هذا المسار، في خطوة تعكس تحولاً يبدو أنه لم يعد مؤقتاً، بل أقرب إلى واقع تشغيلي جديد.
ورغم أن هذه المسارات البديلة تزيد من مدة الرحلات، فإنها تفتح في المقابل فرصاً كبيرة أمام موانئ ومزودي الوقود في إفريقيا، خاصة في المناطق التي كانت تُعتبر سابقاً نقاط تزويد ناشئة.
هذا الواقع شجع شركات الطاقة والتجارة على تسريع استثماراتها في القارة.
شركات قائمة مثل “مونجاسا” سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب خلال السنوات الأخيرة، بينما دخلت شركات جديدة السوق أو أعلنت خطط توسع، من بينها “فيتول” و“بنكر بارتنر” و“بنينسولا” و“فليكس كوموديتيز” و“غلوبال فيول سبلاي”، في محاولة للاستفادة من النمو المتسارع.
في الوقت نفسه، بدأت مؤشرات هذا التحول تظهر بوضوح على الأرض. ففي كيب تاون، ارتفعت عمليات تحويل مسار السفن بشكل لافت، ما يعكس تغيراً هيكلياً في حركة التجارة البحرية. كما شهدت بعض الموانئ الإفريقية، مثل بورت لويس في موريشيوس، قفزة كبيرة في مبيعات وقود السفن، لتسجل أرقاماً قياسية.
هذا التوسع لم يقتصر على الشركات الكبرى، بل شجع أيضاً دخول لاعبين جدد إلى السوق. على سبيل المثال، أطلقت شركة “فليكس كوموديتيز” عمليات تزويد بالوقود في ناميبيا، مستهدفة حركة السفن المتزايدة على هذا المسار، مع تركيز خاص على غرب إفريقيا حيث لا يزال الطلب يفوق المعروض.
وفي دول مثل غانا، تعمل الشركات المحلية على توسيع قدراتها لمواكبة الطلب المتنامي، وسط توقعات بأن يتضاعف حجم السوق عدة مرات خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذه الفرص، لا يخلو المشهد من التحديات. إذ يواجه القطاع في إفريقيا عقبات تتعلق بالبنية التحتية، ومخاطر القرصنة، وعدم استقرار الإمدادات، إضافة إلى التعقيدات التنظيمية والضريبية التي قد تؤثر على وتيرة النمو.
كما أن أي اضطرابات في إمدادات الوقود العالمية، خاصة من الشرق الأوسط، قد تنعكس مباشرة على مراكز التزويد في القارة، ما يضيف مزيداً من عدم اليقين إلى السوق.
بشكل عام، تبدو إفريقيا اليوم في موقع استراتيجي جديد على خريطة الشحن العالمي، حيث تحولت من مسار بديل إلى محور متنامٍ في سلاسل الإمداد البحرية، مع فرص كبيرة للنمو، لكنها مشروطة بقدرتها على تجاوز التحديات اللوجستية والتنظيمية.
