تتواصل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط لتلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق العالمية، وخاصة سلاسل الإمداد الغذائي.
فقد شهدت أسعار القمح ارتفاعاً ملحوظاً، مدفوعة بزيادة تكاليف الشحن والتأمين نتيجة استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد ممراً حيوياً لتصدير الأسمدة النيتروجينية والأمونيا، والتي تمثل نحو ثلث الإمدادات العالمية.
هذا التطور أثار مخاوف متزايدة لدى المنظمات الدولية من أزمة غذائية حادة، خصوصاً مع تراجع توفر المدخلات الزراعية في توقيت حساس يتزامن مع انطلاق موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي.
موسم زراعي مهدد وانخفاض متوقع بالإنتاج
وفقاً لبيانات الأسواق العالمية، ارتفعت أسعار القمح وسط توقعات بانخفاض المساحات المزروعة وتراجع الإنتاج خلال الموسم المقبل. ويعود ذلك إلى اتجاه بعض المزارعين نحو زراعة محاصيل بديلة أقل تكلفة، في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة وصعوبة تأمينها.
وقد حذر برنامج الأغذية العالمي من تداعيات “كارثية” على المزارعين، خاصة في الدول النامية. وأوضح نائب المدير التنفيذي للبرنامج، كارل سكو، أن نقص الإمدادات الزراعية قد يؤدي في أسوأ الحالات إلى فشل المحاصيل، وفي أفضلها إلى ارتفاع أسعار الغذاء خلال العام المقبل.
الدول الأكثر عرضة للأزمة
تشير التحليلات إلى أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الحبوب من الخليج ستكون الأكثر تضرراً. ولفت الخبير الاقتصادي راج باتيل إلى أن دولاً مثل إثيوبيا تعتمد بشكل شبه كامل على هذه الإمدادات، ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة.
من جهته، حذر الخبير جوزيف غلوبر من أن انخفاض أسعار الحبوب مقارنة بالفترات السابقة يضغط على أرباح المزارعين، ما قد يدفعهم إلى تقليص زراعة القمح، خاصة في الولايات المتحدة، وهو ما سينعكس سلباً على الإنتاج العالمي.
تراجع المساحات المزروعة وقلق في الأسواق
في هذا السياق، أظهر استطلاع لشركة Allendale للأبحاث الزراعية انخفاضاً متوقعاً في المساحات المزروعة بالقمح، حيث يُرجح أن تبلغ نحو 44.877 مليون فدان، مع تسجيل زراعة القمح الربيعي أدنى مستوياتها منذ عقود.
كما حذرت شركة Helios AI من أن أسعار الغذاء العالمية قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 12% و18% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة بحلول نهاية عام 2026، مع احتمالات بمزيد من الارتفاع خلال 2027.
الأسواق الناشئة تحت الضغط
امتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق الناشئة والدول العربية، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الحبوب عبر مضيق هرمز. وقد تفاقمت الأزمة مع الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، حيث قفزت من 0.25% إلى نحو 10% من قيمة السفن، وفق تقديرات Lloyd’s List.
هذا الارتفاع أدى إلى زيادة تكاليف الشحن وتأخر وصول الإمدادات الأساسية، ما ساهم في ارتفاع أسعار السلع الغذائية في العديد من الدول.
مستقبل غامض للأسواق الغذائية
يرى الخبراء أن مدة الصراع ستكون العامل الحاسم في تحديد حجم التأثير. فالحروب قصيرة الأمد تسبب صدمات مؤقتة، بينما تؤدي النزاعات الطويلة إلى تغييرات هيكلية في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي ظل استمرار التوترات، تبقى الأسواق الزراعية العالمية في حالة ترقب، وسط مخاوف متزايدة من تراجع الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء، ما قد يؤثر على الأمن الغذائي لملايين الأشخاص حول العالم.
