تشهد أسواق الغاز والكهرباء الأوروبية تحولاً جذرياً غير مسبوق، مع بدء تطبيق نظام جديد لتمديد ساعات التداول إلى 21 ساعة يومياً، بدلاً من 10 ساعات فقط، في خطوة تُنهي عملياً نموذج التداول النهاري التقليدي الذي استمر لسنوات طويلة.
ويأتي هذا التغيير في وقت تتسم فيه أسواق الطاقة العالمية بارتفاع حاد في التقلبات، مدفوعاً بتوترات جيوسياسية متصاعدة في الشرق الأوسط، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الغاز في أوروبا، التي ما تزال أعلى بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، رغم التهدئة الأخيرة.
أسواق الطاقة الأوروبية تدخل مرحلة جديدة
هذا التوسع في ساعات التداول، الذي تم الإعلان عنه مسبقاً، يهدف إلى مواكبة التحول الكبير في طبيعة سوق الطاقة الأوروبية، والتي لم تعد محلية أو محدودة التأثير، بل أصبحت جزءاً من سوق عالمي شديد الترابط والتقلب.
لكن مع ذلك، تشير تقارير من داخل القطاع إلى أن العديد من الشركات لم تستكمل بعد استعداداتها التشغيلية، سواء من حيث توظيف كوادر إضافية أو إعادة هيكلة فرق التداول، في ظل حالة ترقب واسعة لآلية تطبيق النظام الجديد.
تحول استراتيجي بعد الحرب الروسية الأوكرانية
يرى محللون أن هذا التطور لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي شهدها سوق الطاقة منذ أزمة روسيا وأوكرانيا، والتي دفعت أوروبا إلى الاعتماد بشكل أكبر على الغاز الطبيعي المسال العالمي، ما زاد من حساسية الأسعار تجاه الأحداث الدولية حسب بلومبيرغ.
كما ساهم التوسع في مصادر الطاقة المتجددة في زيادة تقلبات إنتاج الكهرباء، الأمر الذي رفع الطلب على أدوات التحوط والتداول في أسواق الغاز.
جذب أكبر للمستثمرين العالميين
أصبح سوق الطاقة الأوروبي اليوم أكثر جاذبية للمستثمرين وصناديق التحوط العالمية، حيث تطورت استراتيجيات التداول لتشمل أدوات أكثر تعقيداً مثل التحوط بين أسواق الغاز الأوروبية والسوق الأميركية مثل مؤشر “هنري هَب”، إضافة إلى انتعاش تداول المشتقات والخيارات بعد سنوات من الضعف.
هذا التطور عزز السيولة ورفع حجم المشاركة في السوق، مع دخول لاعبين جدد من آسيا وأميركا، مستفيدين من اتساع ساعات التداول.
تقرؤون أيضاً: أزمة مضيق هرمز تهدد أسواق النفط بعجز عالمي في الإمدادات وتحول مفاجئ في توقعات 2026
تأثير مباشر على المتداولين ونمط العمل
على الجانب التشغيلي، يفرض النظام الجديد تحديات كبيرة على المتداولين في أوروبا، إذ من المتوقع أن يتغير نمط العمل التقليدي القائم على ساعات محددة، ليحل محله نظام تداول ممتد يشبه أسواق النفط العالمية.
ويثير هذا التغيير جدلاً داخل القطاع، حيث أعرب بعض المتداولين عن مخاوفهم من تأثيره على التوازن بين الحياة والعمل، في حين يرى آخرون أنه تطور طبيعي يتماشى مع عالم أسواق الطاقة الحديثة.
بنية سوق أكثر عالمية
من الناحية التنظيمية، يأتي هذا القرار في إطار جهود توسيع الربط بين أسواق الطاقة الأوروبية ونظيراتها في آسيا وأميركا، بما يتيح استجابة أسرع للأحداث العالمية، خصوصاً مع انطلاق التداول مبكراً وفق التوقيت الآسيوي.
وتشير التقديرات إلى أن هذا التمديد قد يعزز السيولة ويزيد من كفاءة التسعير، لكنه في المقابل قد يفرض تحديات تشغيلية جديدة تتعلق بتوزيع السيولة وإدارة المخاطر عبر فترات أطول.

