تعيش شركة إنتل واحدة من أكثر مراحلها حساسية في تاريخها الممتد لعقود، بعدما تولى ليب-بو تان قيادة الشركة في مارس/آذار 2025، في وقت كانت فيه الشركة بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة شاملة لاستعادة موقعها في سوق أشباه الموصلات العالمي.
فبعد سنوات من تراجع الحصة السوقية لصالح منافسين كبار مثل إنفيديا وإيه إم دي وكوالكوم، وجدت إنتل نفسها أمام منافسة شرسة، في ظل هيمنة شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات TSMC على نحو 90% من أكثر الرقائق تطوراً في العالم، ما قلّص بشكل كبير من قدرة إنتل على المنافسة في مجال التصنيع المتقدم.
بداية مرحلة إعادة البناء داخل إنتل
منذ توليه المنصب، أقر ليب-بو تان بوجود تحديات عميقة داخل الشركة، مؤكداً في أول تصريحاته أن “لا توجد حلول سريعة” لإصلاح المسار، في إشارة إلى حجم التحديات التي تواجه عملاق الرقائق الأميركي.
ويعتمد تان، البالغ من العمر 66 عاماً، على خبرة تمتد لأكثر من عقد في إدارة شركة كادنس ديزاين سيستمز، وقد التزم نهجاً هادئاً نسبياً منذ توليه القيادة، قبل أن يظهر مجدداً في معرض كومبيوتكس في تايبيه، حيث حظي خطابه باهتمام واسع من المتابعين والمحللين.
ويركز الحضور المتزايد حول إنتل على أحد أهم منتجاتها الأساسية، وهو المعالج المركزي (CPU)، الذي كان لعقود “عقل الحاسوب”، لكنه عاد اليوم إلى الواجهة باعتباره عنصراً محورياً في سباق الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يعيد الأهمية للمعالجات المركزية
أصبح التحول نحو الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل التي قد تمنح إنتل فرصة جديدة للنهوض، خصوصاً مع صعود ما يعرف بـ “الذكاء الاصطناعي الوكيل”، القادر على تنفيذ المهام بدلاً من الاكتفاء بالإجابة على الأسئلة.
وفي الوقت الذي تهيمن فيه وحدات معالجة الرسوميات GPU التي تطورها إنفيديا على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بدأت وحدات المعالجة المركزية CPU تستعيد أهميتها في مرحلة “الاستدلال”، وهي المرحلة التي يتم فيها تشغيل النماذج وتطبيقها عملياً.
وتشير تقديرات الصناعة إلى أن هذه المرحلة أصبحت أساسية في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، بما في ذلك الأنظمة التي تطورها شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك وغوغل، والتي تعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل.
وفي هذا السياق، وصف الرئيس التنفيذي لإنفيديا جنسن هوانغ العلاقة بين المعالجين قائلاً إن “المعالج المركزي هو قائد الأوركسترا، بينما تمثل وحدات معالجة الرسوميات الأوركسترا نفسها”.
منافسة متصاعدة واستثمارات جديدة في القطاع
في ظل هذا التحول، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى تعيد تقييم استراتيجياتها، مع توجه واضح نحو تعزيز دور المعالجات المركزية في أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية.
كما أعلنت إنفيديا عن توسع جديد في هذا المجال من خلال تطوير معالجات جديدة لأجهزة الحاسوب ومراكز البيانات، في خطوة تعكس شدة المنافسة في سوق الرقائق العالمي.
من جانبه، كشف ليب-بو تان خلال مشاركته في معرض كومبيوتكس أن عدداً من الرؤساء التنفيذيين تواصلوا معه للحصول على مزيد من المعالجات المركزية، في إشارة إلى ارتفاع الطلب المتوقع خلال المرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن هذا الطلب المتزايد قد يشكل فرصة استراتيجية لإنتل، بشرط قدرتها على رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين جودة التصنيع بشكل سريع.
إعادة هيكلة شاملة داخل إنتل
تعتمد استراتيجية ليب-بو تان على إعادة هيكلة جذرية داخل الشركة، تشمل تبسيط العمليات، والتركيز على الهندسة، وإعادة توزيع الموارد نحو المجالات الأكثر ربحية ونمواً.
وشملت هذه الإجراءات تقليص عدد الموظفين بنحو 34%، وإيقاف مشاريع توسع في أوروبا، إلى جانب إعادة هيكلة الإدارة الوسطى، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية، والتخلص من الأصول غير الأساسية.
كما نجح تان في جذب استثمارات من شركات كبرى مثل إنفيديا وسوفت بنك، ما وفر لإنتل دعماً مالياً واستراتيجياً في مرحلة إعادة البناء.
دعم حكومي وتحول في مسار الشركة
وفي تطور لافت، استثمرت الحكومة الأميركية نحو 8.9 مليار دولار في إنتل لدعم خططها التوسعية في مجال التصنيع والبحث داخل الولايات المتحدة، بهدف تعزيز أمن سلاسل التوريد في قطاع الرقائق.
وأسهم هذا الدعم، إلى جانب إعادة الهيكلة الداخلية، في ارتفاع سهم إنتل بنحو 300% منذ بدء خطة التحول.
ويرى محللون أن إنتل نجحت حتى الآن في وقف التراجع الحاد الذي كانت تعاني منه، والانتقال من مرحلة الأزمة إلى بداية التعافي، مع استمرار التحديات في سوق شديد التنافسية يعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات ا
