تشهد صناعة الاندماج النووي حول العالم موجة توسع غير مسبوقة، حيث بدأ موردو المعدات والبنية التحتية رفع قدراتهم الإنتاجية مبكراً، على رهانات بأن السباق العالمي نحو بناء مفاعلات الاندماج سيخلق سوقاً ضخمة ومربحة، حتى قبل أن تنجح هذه التكنولوجيا في إنتاج الكهرباء على نطاق تجاري واسع.
وتشير تقديرات شركة الاستشارات “هيليكسوس” إلى أن الإنفاق السنوي على إنشاء محطات الاندماج النووي التجارية قد يصل إلى نحو 73.1 مليار دولار بحلول عام 2040، أي ما يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف عن قيمة الكهرباء المتوقع توليدها من هذه المحطات خلال الفترة نفسها، والتي تُقدّر بنحو 20 مليار دولار سنوياً.
ورغم أن التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، إلا أن جزءاً كبيراً من الزخم الحالي لا يأتي من بيع الكهرباء، بل من مرحلة البناء والتجهيز، حيث يرى العاملون في القطاع أن الفرص الأولى والأكثر ربحية ستتركز في تصميم وإنشاء البنية التحتية الضخمة للمفاعلات حسب CNN اقتصادية.
ويؤكد خبراء أن قطاع الاندماج النووي ما زال في طور التوسع الأولي، ما يجعل عقود البناء والتجهيز هي المحرك الأساسي للاستثمار في هذه المرحلة، وليس الإنتاج الفعلي للطاقة.
في المقابل، تلعب شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تسريع هذا الاتجاه، إذ تتجه شركات كبرى مثل “ألفابت” و“أمازون” و“مايكروسوفت” إلى الاستثمار في مصادر طاقة نظيفة وذات قدرة عالية، بهدف تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء الناتج عن توسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتعتمد تقنية الاندماج النووي على محاكاة التفاعل الذي يحدث داخل الشمس، من خلال دمج النوى الذرية في بلازما فائقة الحرارة، بهدف إنتاج طاقة نظيفة وخالية من الانبعاثات الكربونية، دون مخلفات نووية طويلة الأمد كما في الانشطار النووي التقليدي.
ورغم التقدم البحثي، لم تتمكن الشركات حتى الآن من تحويل النجاحات المختبرية إلى إنتاج كهرباء مستدام على مستوى تجاري، وهو ما يجعل الطريق نحو التطبيق العملي لا يزال مليئاً بالتحديات التقنية.
وفي هذا السياق، بدأت شركات الإمداد التحرك مبكراً لتأمين موقعها في السوق المستقبلية، حيث أعلنت شركة “فوجيكورا” اليابانية استثمار نحو 72 مليون دولار لزيادة إنتاج المواد المستخدمة في المغناطيسات فائقة التوصيل، والتي تُعد عنصراً أساسياً في تشغيل مفاعلات الاندماج.
وتهدف الشركة إلى رفع طاقتها الإنتاجية إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2027، ثم مضاعفتها مجدداً في 2028، استعداداً للطلب المتوقع من شركات القطاع.
وتُستخدم هذه المواد في توليد حقول مغناطيسية قوية للغاية، ضرورية لاحتواء البلازما شديدة الحرارة داخل المفاعلات، وهو ما يجعلها من أكثر المكونات حساسية في سلسلة التوريد.
وفي الولايات المتحدة، بدأت الاستثمارات تتدفق أيضاً، حيث استثمرت شركة الهندسة “إيكوم” في شركة “تايب ون إنرجي” المدعومة من بيل غيتس، والتي تخطط لإنشاء محطات اندماج تجارية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن.
ويرى مسؤولو القطاع أن الجدول الزمني للتطبيق التجاري أصبح أقرب مما كان يُعتقد سابقاً، حيث يتوقع البعض أن تبدأ أولى المشاريع التشغيلية خلال 5 إلى 10 سنوات، بدلاً من التقديرات التقليدية التي كانت تشير إلى عقود طويلة من الانتظار.
لكن هذا التوسع السريع يسلّط الضوء أيضاً على تحديات كبيرة، أبرزها هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، واعتمادها على عدد محدود من الموردين المتخصصين، خصوصاً في مجال المواد فائقة التوصيل التي تتركز صناعتها في اليابان والصين.
وفي بريطانيا، يمضي أحد أكبر المشاريع التجريبية قدماً، حيث حصل تحالف تقوده شركة “كير إنفراستركتشر” بالتعاون مع “نوفيا” الفرنسية على عقد أولي بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني ضمن مشروع “ستيب”، الذي قد تصل تكلفته الإجمالية إلى 20 مليار جنيه، مع هدف ربطه بشبكة الكهرباء بحلول عام 2040.
وبين طموحات الاستثمار وتسارع سلاسل التوريد، يبدو أن قطاع الاندماج النووي لا يعيش مرحلة إنتاج الطاقة بعد، بقدر ما يعيش سباقاً عالمياً لبناء اقتصاد كامل حول حلم الطاقة التي تحاكي الشمس.


