تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من التحول العميق مع تداعيات أزمة مضيق هرمز، التي لم تقتصر آثارها على ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الإمدادات، بل امتدت لتعيد تشكيل مفهوم أمن الطاقة عالمياً في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد الانقسام بين القوى الدولية.
وفي تطور لافت، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عبر الوسائل الدبلوماسية، نصّت على وقف التصعيد العسكري وفتح مضيق هرمز ورفع القيود عن بعض الموانئ الإيرانية، على أن تتبعها مفاوضات تمتد إلى 60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي يشمل ملفات حساسة أبرزها البرنامج النووي الإيراني.
لكن هذا المسار لم يدم طويلاً، إذ أعلنت إيران مجدداً إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، متهمة الولايات المتحدة بعدم الالتزام ببنود الاتفاق، ما أعاد التوتر إلى واحدة من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية وفقاً لـ CNN اقتصادية.
ويرى معهد أكسفورد للطاقة أن الأزمة الحالية لن تُقاس فقط بما حدث خلال فترة التصعيد، بل بما ستتركه من آثار طويلة الأمد على سياسات الطاقة العالمية والتجارة الدولية والأمن الاقتصادي.
ووفقاً لتقديرات المعهد، فإن إغلاق المضيق أدى إلى خروج كميات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة والمعادن الأساسية من الأسواق، ما تسبب في اضطرابات واسعة امتدت من آسيا إلى أوروبا وأميركا الشمالية.
صدمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة
في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الشرق الأوسط لتأمين نحو 60% من احتياجاتها النفطية، لجأت عدة دول إلى إجراءات استثنائية شملت ترشيد استهلاك الوقود، تقليص ساعات العمل، تقليل استخدام الطاقة في التبريد، وحتى إغلاق بعض المصانع والمدارس. كما واجه قطاع الطيران ضغوطاً كبيرة بسبب نقص الوقود، ما أدى إلى تقليص الرحلات وارتفاع الأسعار.
ورغم التوقعات السابقة داخل مراكز القرار الأميركية بوصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل مع خسارة جزء كبير من الإمدادات العالمية، أظهرت الأسواق قدرة نسبية على امتصاص الصدمة، ليبقى خام برنت فوق 100 دولار لفترة، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى حدود 80 دولاراً بعد تهدئة التوترات بين واشنطن وطهران.
أزمة الغاز تضيف مزيداً من الضغوط
ولم تقتصر الأزمة على النفط فقط، إذ تشير التقديرات إلى خروج نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخدمة خلال فترة الاضطرابات، إلى جانب أضرار لحقت بالبنية التحتية للغاز في بعض دول المنطقة، خصوصاً قطر، ما قد يستغرق إصلاحه شهوراً وربما سنوات.
ويرى المعهد أن استمرار هذه القيود، حتى بعد توقف العمليات العسكرية، سيؤدي إلى بقاء الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، مع انعكاسات مباشرة على معدلات التضخم وأسعار الغذاء والنقل والتصنيع.
المخزونات الاستراتيجية تكشف حدود التدخل
ورغم لجوء العديد من الحكومات إلى سحب جزء من احتياطياتها الاستراتيجية، إلا أن الأزمة أظهرت حدود قدرة هذه المخزونات على تعويض صدمة بحجم فقدان ملايين البراميل يومياً من الإمدادات.
وتشير بيانات الطاقة الدولية إلى عمليات سحب كبيرة من المخزونات العالمية خلال فترة الأزمة، ما أدى إلى تراجعها إلى مستويات تاريخية متدنية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول قدرة النظام الحالي على مواجهة أزمات مشابهة في المستقبل.
عودة الطاقة إلى قلب الجغرافيا السياسية
بحسب معهد أكسفورد للطاقة، فإن أزمة مضيق هرمز تؤكد مجدداً أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت أداة مباشرة في الصراع الجيوسياسي، تماماً كما حدث في أزمات سابقة حول العالم.
ويشير المعهد إلى أن مجرد تهديد إغلاق ممرات بحرية استراتيجية كفيل بإحداث صدمات واسعة في الأسواق العالمية، حتى دون الحاجة إلى سيطرة كاملة على الإنتاج النفطي.
نحو سياسات اكتفاء ذاتي جديدة
في ضوء هذه التطورات، تتجه العديد من الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها على الأسواق العالمية، والتحول نحو تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير بدائل لوجستية تقلل من المخاطر المستقبلية.
غير أن هذا التحول يأتي بتكاليف مرتفعة، إذ يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة وإعادة هيكلة كاملة لسلاسل الإمداد العالمية.
هل تسرّع الأزمة التحول نحو الطاقة النظيفة؟
يرى خبراء أن الأزمة قد تدفع باتجاه تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، حيث تصبح الكهرباء والطاقة النظيفة جزءاً من استراتيجية أمن الطاقة، وليس فقط هدفاً بيئياً.
ومن المتوقع أن تعزز هذه التطورات الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية، إلى جانب تسريع كهربة قطاعات النقل والصناعة، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد وتعزيز الاستقرار الطاقي على المدى الطويل.


