تشهد دول أوروبا الغربية واحدة من أشد موجات الحر المسجلة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت درجات الحرارة معدلاتها الموسمية بفارق كبير، ما دفع عدة حكومات إلى إصدار أعلى مستويات التحذير، وسط مخاوف من تداعيات صحية واقتصادية متزايدة، في وقت يرى فيه خبراء المناخ أن هذه الظواهر أصبحت أكثر تكراراً بفعل التغير المناخي.
وأطلقت السلطات في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا تحذيرات باللون الأحمر، محذرة من أن درجات الحرارة الحالية تشكل خطراً حتى على الأشخاص الأصحاء، مع تسجيل مستويات قياسية في عدد من المدن الأوروبية وفقاً لـ CNBC عربية
ويرى علماء المناخ أن موجة الحر الحالية لم تكن لتصل إلى هذا المستوى لولا تأثير التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري، مشيرين إلى أن درجات الحرارة المرتفعة خلال ساعات الليل أصبحت أكثر احتمالاً بنحو 100 مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين.
وفي ألمانيا، سجلت هيئة الأرصاد الجوية درجة حرارة أولية بلغت 41.3 درجة مئوية بالقرب من مدينة ساربروكن المحاذية للحدود الفرنسية، لتكون من أعلى القراءات المسجلة هذا الصيف.
أما في فرنسا، فقد تسببت الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية في اضطرابات واسعة شملت حركة القطارات وإنتاج الكهرباء، إضافة إلى إغلاق مدارس وتأجيل فعاليات خارجية وفرض قيود على بعض الأنشطة، في حين سجلت وفيات بين الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وفي إيطاليا، أصدرت وزارة الصحة تحذيرات من المستوى الأحمر في 18 مدينة، بينها روما وميلانو والبندقية وفلورنسا، مع توقعات بوصول الحرارة إلى نحو 39 درجة مئوية، فيما ألغيت فعاليات فنية بسبب الظروف الجوية، وسجلت مدينة بولزانو أعلى درجة حرارة ليلية في تاريخ شهر يونيو بعدما لم تنخفض الحرارة عن 25.4 درجة مئوية.
تداعيات اقتصادية واستثمارية
لم تقتصر آثار موجة الحر على القطاع الصحي، بل امتدت إلى البنية التحتية وقطاعي الطاقة والنقل، حيث خفضت محطات الطاقة النووية الفرنسية إنتاجها بسبب ارتفاع حرارة مياه التبريد، كما تعرضت شبكات السكك الحديدية والطرق لضغوط متزايدة نتيجة تمدد القضبان وتشقق الطرق.
وفي المقابل، يرى عدد من خبراء الاستثمار أن هذه الظروف تفتح فرصاً جديدة أمام الشركات العاملة في مجالات التكييف والتبريد والطاقة المتجددة وإدارة المياه والتأمين، مع تزايد الحاجة إلى حلول تساعد المجتمعات على التكيف مع التغير المناخي.
وأكدت مؤسسات استثمارية عالمية أن شركات تصنيع أنظمة التبريد والمضخات الحرارية والطاقة النظيفة قد تكون من أبرز المستفيدين خلال السنوات المقبلة، في ظل تصاعد الطلب على تقنيات الحد من آثار الحرارة المرتفعة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
كما يتوقع محللون أن تدفع موجات الحر المتكررة الحكومات الأوروبية إلى تسريع خطط التحول نحو الطاقة النظيفة وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية المقاومة للتغيرات المناخية.
اضطرابات في السفر والنقل
وأثرت موجة الحر أيضاً على حركة النقل، إذ أتاحت شركة السكك الحديدية الألمانية للمسافرين إلغاء حجوزاتهم مجاناً، بينما علقت شركات تشغيل قطارات بعض الرحلات كإجراء احترازي، مع تزايد المخاوف من تأثر البنية التحتية للسكك الحديدية وشبكات الكهرباء.
ويعزو خبراء الأرصاد هذه الموجة إلى ظاهرة جوية تعرف باسم “أوميغا بلوك”، والتي تؤدي إلى احتجاز كتلة هوائية شديدة السخونة فوق مناطق واسعة لفترات طويلة، فيما توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية انتقال موجة الحر تدريجياً خلال الأيام المقبلة نحو وسط أوروبا ومنطقة البلقان.


