لم يعد الذهب بالنسبة لكثير من السوريين رمزاً للزينة أو جزءاً أساسياً من المناسبات الاجتماعية كما كان في السابق، بل تحول تدريجياً إلى وسيلة لحماية المدخرات في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية.
وتجسد رشا عواد هذا التحول بقولها إنها لم تعد تتوقف أمام واجهات محال الصاغة كما اعتادت في السنوات الماضية، موضحة أن شراء قطعة ذهبية في المناسبات العائلية كان أمراً طبيعياً، بينما أصبحت أولويات الأسرة اليوم تتركز على تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والتعليم ومصاريف الحياة اليومية حسب صحيفة الثورة المحلية.
ولا تقتصر هذه الحالة على رشا، بل تعكس واقعاً تعيشه شريحة واسعة من السوريين، حيث تراجع الإقبال على شراء المشغولات الذهبية بشكل ملحوظ، في مقابل تنامي الاهتمام بالذهب كوسيلة للحفاظ على قيمة الأموال.
ركود مستمر رغم تراجع الأسعار
ورغم انخفاض أسعار الذهب في السوق المحلية بالتزامن مع الإغلاق الأسبوعي للبورصات العالمية، فإن هذا التراجع لم ينعكس على حركة الأسواق، التي ما تزال تعاني من حالة ركود واضحة.
وباتت المشكلة الرئيسية لا ترتبط بتذبذب الأسعار فقط، وإنما بضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما جعل استقرار الأسعار غير كافٍ لتحفيز الطلب أو إعادة النشاط إلى محال الصاغة.
كما تظهر نشرات الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة استمرار محدودية عمليات البيع والشراء، في وقت تغيرت فيه أولويات الإنفاق لدى معظم الأسر السورية.
الذهب يتحول إلى أداة ادخار
أمام أحد محال الصاغة في دمشق، يوضح أحمد يوسف، الذي يستعد للزواج، أن الظروف الاقتصادية فرضت عليه تعديل خططه، قائلاً إن شراء المحابس فقط أصبح الخيار الممكن، بينما باتت الشبكة الذهبية الكاملة خارج حدود الإمكانات المالية.
ويؤكد الصائغ فتحي صوفان أن طبيعة الطلب في السوق شهدت تحولاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى تراجع الإقبال على الحلي الذهبية نتيجة ارتفاع أسعار الذهب وأجور المصنعية ورسوم الإنفاق الاستهلاكي، مقابل زيادة الطلب على الليرات الذهبية والأونصات التي أصبحت الخيار المفضل للراغبين في الادخار.
وأضاف أن الأسواق تشهد أيضاً ارتفاعاً في عمليات بيع المواطنين لمدخراتهم الذهبية بهدف تأمين السيولة اللازمة لتغطية النفقات المعيشية أو تمويل مشاريع خاصة، وهو ما يعكس تغير دور الذهب من مخزن طويل الأجل للقيمة إلى مصدر للسيولة عند الحاجة.
الأسواق تترقب حركة الأونصة العالمية
من جانبه، يرى الصائغ فائز بركات أن الانخفاض الحالي في الأسعار لا يعكس تحسناً حقيقياً في السوق، موضحاً أن السبب يعود إلى توقف التداولات العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما يترقب المتعاملون اتجاه أسعار الأونصة مع استئناف التداول.
وأشار إلى أن فترة الإغلاق تمنح أصحاب محال الصاغة فرصة لإعادة تنظيم المخزون وتثبيت الأسعار مؤقتاً، إلا أنها لا تدفع المستهلكين إلى اتخاذ قرارات الشراء، إذ يفضل معظمهم انتظار اتضاح اتجاه السوق.
إجراءات لتنظيم سوق الذهب
وفي إطار تنظيم السوق وتعزيز الثقة، اتخذت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة خلال الفترة الماضية عدداً من الإجراءات، من بينها إلزام محال الصاغة بتركيب كاميرات مراقبة، ومنع تداول أي قطعة ذهبية غير مختومة بالختم الرسمي، واعتماد بيانات المشتري في الفواتير، إضافة إلى إطلاق تطبيق إلكتروني يتيح متابعة الأسعار الرسمية بشكل لحظي، بهدف الحد من فروقات التسعير وتعزيز الشفافية.
القدرة الشرائية هي العامل الحاسم
وتشير المعطيات الحالية إلى أن مستقبل سوق الذهب في سوريا لن يتحدد فقط وفق حركة الأسعار العالمية أو المحلية، بل سيبقى مرتبطاً بشكل أساسي بقدرة المواطنين على الشراء. فحتى مع استقرار الأسعار، من المتوقع أن يستمر الركود ما لم تتحسن مستويات الدخل وتستعد الأسر جزءاً من قوتها الشرائية، ليظل الذهب بالنسبة لكثير من السوريين وسيلة لحفظ المدخرات أكثر من كونه زينة للمناسبات.
