تواجه أسواق النفط اضطرابات متزايدة في قطاع التكرير، دفعت أسعار المشتقات البترولية إلى الارتفاع بوتيرة أسرع من خام برنت، رغم استقرار سعر الخام المرجعي قرب 90 دولاراً للبرميل.
ويتركز جوهر الأزمة في اتساع الفارق بين سعر النفط الخام والمنتجات المكررة، إذ ارتفع ما يعرف بهامش التكرير أو «الكراك سبريد» إلى نحو 35 دولاراً للبرميل، بحسب مقال للاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل بول كروغمان عبر منصة Substack في 13 أغسطس/آب حسب بلومبيرغ.
ويشير كروغمان إلى أن المستهلكين والشركات لا يتعاملون مع النفط الخام بصورة مباشرة، وإنما مع مشتقاته، ولا سيما البنزين والديزل، لافتاً إلى أن أسعار هذه المنتجات عادت إلى الاقتراب من ذروتها الأخيرة بعد تراجعها لفترة بفعل شائعات عن السلام.
ويتوافق ذلك مع تقرير حديث لـ«بنك أوف أميركا» نشر في 12 أغسطس/آب، أفاد بأن أسعار المشتقات البترولية ترتفع بوتيرة أسرع من الخام، بما يشير إلى انتقال الضغط في السوق من نقص البراميل إلى محدودية القدرة على تكريرها.
وارتفعت هوامش تكرير الديزل بأكثر من 85% منذ يونيو/حزيران، فيما قفزت هوامش وقود الطائرات بنحو 140%. وفي المقابل، لم يتجاوز ارتفاع سعر خام برنت 30%، رغم تداوله حالياً دون 90 دولاراً للبرميل.
تقرؤون أيضاً: أسعار النفط ترتفع بأكثر من 5% خلال أسبوع وسط مخاوف بشأن مضيق هرمز
ويُعرّف هامش التكرير، أو «الكراك سبريد»، بأنه الفارق بين سعر برميل الخام وسعر المشتقات التي يتم استخراجها منه بعد التكرير، وتشمل البنزين والديزل ووقود الطائرات ووقود التدفئة والنافتا وغيرها.
وعزا «بنك أوف أميركا» ارتفاع هوامش التكرير إلى زيادة الطلب الموسمي، بالتزامن مع خروج عدد من المصافي حول العالم من الخدمة وعدم قدرتها على تزويد الأسواق بالمشتقات، نتيجة الحرب في إيران التي دخلت شهرها السادس والحرب في أوكرانيا التي دخلت عامها الخامس.
وأشار البنك إلى أن سوق الديزل يدخل أقوى فتراته الموسمية من حيث الطلب مع بدء موسم الحصاد وعودة النشاط الصناعي واقتراب فصل الشتاء، في وقت تتراجع فيه المخزونات العالمية إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، مع هامش احتياط ضعيف للغاية.
وكان أمين الناصر، رئيس «أرامكو السعودية» وكبير إدارييها التنفيذيين، قد أشار هذا الشهر إلى أن شبكة التكرير العالمية تعمل بالفعل بالقرب من طاقتها القصوى، ما يتركها دون هوامش كافية لامتصاص الصدمات.
وتسببت تداعيات إغلاق مضيق هرمز والنشاط العسكري المحيط به في تقليص صادرات الوقود من الشرق الأوسط، بينما تعطّل جزء مهم من طاقة التكرير الروسية جراء الضربات الأوكرانية على المصافي. وفي الوقت نفسه، تفرض الصين قيوداً على صادراتها تحسباً لنقص المشتقات في السوق المحلية.
وبذلك أصبحت الولايات المتحدة مركز التكرير الكبير الوحيد الذي لا يزال يعمل بكامل طاقته، مع اعتماد أوروبا عليه بشكل خاص.
وأشار «بنك أوف أميركا» إلى أن ارتفاع الأسعار بدأ يكبح الطلب في بعض المناطق، لكنه يرى أن هذا الأثر لا يزال أصغر من أن يعيد التوازن إلى السوق. ولذلك تبقى نظرة البنك لأسعار الديزل تصاعدية حتى نهاية 2026، أو إلى حين عودة تدفقات مضيق هرمز إلى طبيعتها.
ويتوقع البنك أن يبلغ متوسط هوامش الديزل في بورصة إنتركونتيننتال للعقود الآجلة في لندن نحو 67 دولاراً للبرميل خلال الربع الثالث من 2026، و62 دولاراً في الربع الرابع، أي أكثر من ضعف مستوياتهما قبل اندلاع الحرب نهاية فبراير/شباط.
ويرى كروغمان أن اضطرابات شبكة التكرير تفسر استقرار سعر الخام، لأن المصافي لا ترغب في شراء خام لا تستطيع تكريره. وبذلك أصبحت هوامش التكرير، بحسب طرحه، تعكس علاوة الحرب وإغلاق مضيق هرمز بدلاً من ظهورها بصورة مباشرة في أسعار الخام.
وقد يؤدي ارتفاع أسعار المشتقات إلى زيادة التضخم عبر ارتفاع تكاليف الغذاء وتذاكر الطيران والشحن. ويتوقع كروغمان أن يعاود معدل التضخم في الولايات المتحدة الارتفاع قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مشيراً إلى عودة أسعار البنزين إلى تجاوز 4 دولارات للغالون والديزل إلى أكثر من 5 دولارات.


