مع اقتراب موعد العودة إلى المدارس في سوريا، بدأت العائلات رحلة تجهيز أبنائها للعام الدراسي الجديد وسط حسابات دقيقة للميزانية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد النفقات اليومية.
بالنسبة إلى أبو محمد، وهو سائق سيارة أجرة وأب لثلاثة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، لم يعد شراء المستلزمات المدرسية دفعة واحدة أمراً ممكناً، لذلك يبدأ بما هو ضروري ويؤجل ما يمكن تأجيله، مع إعادة استخدام الحقائب والملابس التي ما تزال بحالة جيدة من الأعوام الماضية حسب تلفزيون سوريا.
ويقول أبو محمد إن فاتورة الحقيبة والحذاء والقرطاسية والزي المدرسي أصبحت تنافس نفقات أساسية أخرى، مثل إيجار المنزل والطعام والفواتير والمواصلات، ما يدفع الأسرة إلى ترتيب الأولويات قبل الشراء.
وتعكس هذه الحالة واقع كثير من الأسر السورية مع اقتراب افتتاح المدارس، إذ لم تعد العودة إلى الصفوف مرتبطة فقط بشراء دفتر أو حقيبة، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الأسرة على تخصيص جزء من دخلها لتجهيز كل طفل.
تجهيز الطالب يبدأ من آلاف الليرات
تكشف جولة في أسواق دمشق وريفها أن تكلفة تجهيز طالب واحد تبدأ من آلاف الليرات السورية الجديدة، وقد تتجاوز 10 آلاف ليرة في بعض المراحل الدراسية، بحسب نوع المستلزمات وجودتها ومتطلبات كل مرحلة.
ورغم عدم تسجيل ارتفاع كبير في أسعار بعض المستلزمات مقارنة بالعام الماضي، فإن أصحاب المحال يتحدثون عن ضعف واضح في حركة البيع، ويربطون ذلك بتراجع القدرة الشرائية للأهالي وارتفاع تكاليف السكن والطعام والفواتير والمصروفات اليومية.
الحقيبة والحذاء.. البداية
تتفاوت أسعار الحقائب المدرسية في الأسواق الشعبية، ومنها الحميدية والحلبوني وبعض أسواق ريف دمشق، بحسب النوع والجودة.
وتبدأ أسعار الحقائب من نحو 1,500 ليرة ، بينما تصل الأنواع ذات الجودة الأعلى إلى نحو 4,000 ليرة .
أما الأحذية المدرسية، فتتراوح أسعارها بين 1,500 و3,000 ليرة ، ما يعني أن الطالب يحتاج في البداية إلى نحو 3,000 إلى 7,000 ليرة لتأمين الحقيبة والحذاء فقط.
لكن هذه ليست سوى بداية الفاتورة.
القرطاسية ترفع تكلفة العودة إلى المدرسة
تشكّل القرطاسية جزءاً أساسياً من نفقات العام الدراسي، وتبلغ تكلفة مستلزمات طلاب المرحلة الابتدائية، بحسب جولة الأسواق، بين 1,000 و2,500 ليرة جديدة، تبعاً لعدد الدفاتر والمستلزمات المطلوبة ونوعيتها.
وترتفع التكلفة لدى طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى أكثر من 5,000 ليرة جديدة في بعض الحالات، نتيجة زيادة عدد المواد والدفاتر ومتطلبات الدراسة.
وبذلك يرتبط حجم الإنفاق بعدد المواد ومتطلبات كل مرحلة دراسية، وليس بعمر الطالب فقط.
الزي المدرسي يضيف آلاف الليرات
لا يقل الزي المدرسي تأثيراً في فاتورة تجهيز الطالب، إذ يتراوح سعر الصدرية المدرسية للمرحلة الابتدائية بين 1,500 و3,000 ليرة ، بينما يبدأ سعر البنطال من نحو 1,000 ليرة ، مع ارتفاع السعر بحسب نوع القماش وجودته.
أما البدلة المدرسية لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، فتتراوح تكلفتها بين 2,000 و5,000 ليرة .
ومع جمع تكلفة الحقيبة والحذاء والقرطاسية والزي، يبدأ تجهيز طالب المرحلة الابتدائية من نحو 6,500 ليرة في الحد الأدنى، وقد يتجاوز 10 آلاف ليرة عند اختيار مستلزمات ذات أسعار أعلى.
أما طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، فقد تتجاوز تكلفة تجهيز الواحد منهم 10 آلاف ليرة جديدة بسهولة عند احتساب مختلف المستلزمات.
وتصبح هذه الأرقام أكثر ثقلاً على الأسر التي لديها أكثر من طفل في المدرسة، لأن تكلفة العودة إلى المدارس تتكرر مع كل طالب.
ضعف الإقبال يخيّم على أسواق دمشق وريفها
يقول أبو أمجد، صاحب محل تجاري في صحنايا بريف دمشق، إن حركة شراء المستلزمات المدرسية لا تزال ضعيفة رغم اقتراب موعد افتتاح المدارس.
وبحسب أبو أمجد، لم ترتفع أسعار المستلزمات المدرسية بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي، لكن المشكلة الأساسية تكمن في تراجع قدرة الأهالي على الشراء.
ويشير إلى أن الأسرة لم تعد تنظر إلى سعر الحقيبة أو الزي بمعزل عن بقية النفقات، بل تقارن هذه المصاريف بتكاليف السكن والطعام والفواتير والنقل، الأمر الذي جعل تجهيز الأطفال للمدرسة عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة.
ودفع ذلك بعض العائلات إلى إعادة استخدام الحقائب والملابس والمستلزمات القديمة، بدلاً من شراء كل الاحتياجات من جديد.
شائعات تغيير الزي المدرسي تؤثر في السوق
إلى جانب القدرة الشرائية، واجه سوق الألبسة المدرسية عاملاً آخر تمثل في تداول أخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن احتمال تغيير الزي المدرسي.
ويقول أصحاب محال إن هذه الأنباء دفعتهم إلى التريث في عرض كميات كبيرة من الألبسة، خشية أن تصبح غير مطلوبة في حال صدور قرار رسمي بتغيير الزي.
ويشير أبو أمجد إلى عدم وجود تصريح رسمي واضح من وزارة التربية، وفق ما ذكره، يؤكد تغيير اللباس المدرسي أو ينفي ما يتم تداوله، ما أبقى الأهالي والتجار أمام حالة من عدم اليقين مع اقتراب بداية العام الدراسي.
الأسعار مستقرة نسبياً.. لكن العبء أكبر
تكشف حركة الأسواق أن استقرار أسعار بعض المستلزمات مقارنة بالعام الماضي لا يعني بالضرورة أن العبء المالي على الأسر بقي كما هو.
فالمشكلة، بحسب أصحاب المحال، لا ترتبط بسعر الحقيبة أو البنطال وحده، وإنما بقدرة الأسرة على تأمين هذه الاحتياجات بعد تغطية تكاليف السكن والطعام والفواتير والنقل وغيرها من المصاريف الأساسية.
وبالتالي، قد يبقى سعر السلعة قريباً من مستواه السابق، لكن وزنها داخل ميزانية الأسرة يصبح أكبر، خصوصاً بالنسبة للعائلات التي لديها أكثر من طفل في سن الدراسة.
العودة إلى المدارس.. بين الضرورة والقدرة على الدفع
بالنسبة إلى أبو محمد، يمثل تجهيز ثلاثة أطفال للعام الدراسي واحدة من أكثر المصاريف التي تضغط على ميزانية الأسرة.
ويقول إن شراء جميع المستلزمات دفعة واحدة لم يعد ممكناً، لذلك يبدأ بالأشياء الضرورية، ثم يؤجل ما يمكن تأجيله، مستفيداً في بعض الأحيان من الملابس والحقائب التي لا تزال صالحة للاستخدام من الأعوام الماضية.
ولا ترتبط المشكلة، بالنسبة إليه، بسعر المستلزمات المدرسية وحده، بل بتراكمها مع الإيجار والفواتير والطعام والمواصلات وغيرها من المصاريف اليومية.
وتعكس حركة الأسواق الضعيفة مع اقتراب العودة إلى المدارس واقعاً اقتصادياً يتجاوز موسم البيع نفسه؛ فضعف الإقبال لا يعني تراجع حاجة الطلاب إلى المستلزمات، بل يعكس اضطرار كثير من الأسر إلى حساب كل ليرة جديدة قبل إنفاقها.
وهكذا تتحول العودة إلى المدارس في سوريا من موسم سنوي لشراء الحقائب والقرطاسية والملابس إلى اختبار جديد لقدرة الأسر على تأمين احتياجات أبنائها التعليمية، في وقت تبدأ فيه تكلفة تجهيز الطالب من آلاف الليرات الجديدة وقد تتجاوز 10 آلاف ليرة ، بينما تستمر بقية نفقات الحياة اليومية بالضغط على ميزانية العائلة.
