تواجه سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، في وقت يحذر فيه محللون من أن استمرار هذه الضغوط قد ينعكس سلباً على الدولار، مع بحث المستثمرين عن أصول بديلة توفر حماية أكبر من المخاطر المالية.
وقال ديرك ويلر، الرئيس العالمي لاستراتيجيات الاقتصاد الكلي وتوزيع الأصول في سيتي غروب، إن مساعي وزارة الخزانة الأميركية لإبقاء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل دون مستوى 5.30% قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولار حسب CNBC عربية .
وأوضح ويلر، خلال منتدى رويترز للأسواق العالمية الخميس، أن المستثمرين قد يتجهون إلى أصول لا تخضع للقيود المرتبطة بسياسات البنوك المركزية، الأمر الذي يمكن أن يضيف ضغوطاً سلبية على العملة الأميركية، وفق ما نقلته رويترز السبت 29 آب/أغسطس.
سيتي غروب يقلل تعرضه لسندات الخزانة
وأشار ويلر إلى أن بنك سيتي غروب كان قد خفّض انكشافه على سندات الخزانة الأميركية، لكنه تراجع عن هذا الموقف بعد إعلان وزارة الخزانة إجراءات جديدة لدعم سوق السندات.
وأضاف أن البنك أضاف الذهب إلى محفظته الاستثمارية، مع الاحتفاظ بمركز بيع على الدولار، في إشارة إلى استمرار الحذر تجاه العملة الأميركية.
وكانت وزارة الخزانة قد ضاعفت الأسبوع الماضي حجم عمليات إعادة شراء السندات بهدف دعم سوق الديون طويلة الأجل، إلا أن هذه الخطوة لم تكن كافية لتبديد المخاوف المتعلقة بمخاطر الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل عالمياً.
لماذا ترتفع عوائد سندات الخزانة؟
أدى ارتفاع مخاطر أسعار الفائدة إلى زيادة ما يعرف بـعلاوة الأجل في سوق سندات الخزانة، وهي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل بدلاً من الاستثمار في أدوات قصيرة الأجل وتجديدها بشكل مستمر.
ومع ارتفاع علاوة الأجل، تصعد العوائد طويلة الأجل، ما يرفع بدوره تكلفة الاقتراض في قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وتعد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً مؤشراً مهماً لتحديد تكلفة العديد من أشكال التمويل طويل الأجل، بما في ذلك الرهون العقارية وقروض الشركات.
الديون والتضخم والذكاء الاصطناعي تضغط على السندات
تتداخل عدة عوامل في ارتفاع الضغوط على سوق السندات الأميركية، أبرزها الزيادة الكبيرة في حجم الدين الحكومي، بالتزامن مع تسجيل الولايات المتحدة مستويات مرتفعة من العجز المالي.
كما يضاف إلى ذلك استمرار مخاوف التضخم، فضلاً عن توسع الشركات الكبرى العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي في إصدار ديون طويلة الأجل لتمويل خططها الاستثمارية.
وانعكست هذه العوامل على سوق الخزانة، إذ ارتفع العائد على السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.327% الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى يسجله منذ عام 2007.
ما الأدوات التي تملكها واشنطن؟
يرى ويلر أن التدخل المباشر من وزارة الخزانة أو مجلس الاحتياطي الفدرالي ليس الوسيلة الوحيدة لدعم الطلب على سندات الخزانة.
وأشار إلى إمكانية استخدام أدوات أخرى، من بينها توسيع عمليات إعادة الشراء، أو تقليص إصدار السندات لأجل 20 عاماً تدريجياً، إضافة إلى إجراء تعديلات تنظيمية قد تشجع البنوك والمشاركين في السوق على زيادة حيازاتهم من سندات الخزانة.
وبحسب ويلر، فإن أزمات السندات الحقيقية قد ترتبط أحياناً بمشكلات في هيكل السوق نفسه، وهي مشكلات يمكن لصناع السياسة التدخل لمعالجتها.
لكن يبقى السؤال الأساسي، وفق رؤيته، حول حجم الأدوات المتاحة أمام صناع السياسة وقدرتهم على استخدامها قبل استنفادها.
هل أزمة السندات تعني أزمة مالية؟
وفي الولايات المتحدة، تحركت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى حد كبير بالتوازي مع عقود مقايضة المؤشر لليلة واحدة OIS المماثلة في الأجل، ما أبقى الفارق بين عوائد السندات ومعدلات المقايضة ضمن نطاق محدود نسبياً.
ويرى ويلر أن ذلك يشير إلى أن موجة البيع الأخيرة كانت مرتبطة بشكل أكبر بإعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة، وليس بمخاطر خاصة بسندات الخزانة نفسها.
وأوضح أن هوامش مقايضات الأصول Asset Swap Spreads بقيت مستقرة وفي مستويات طبيعية، وهو ما يعني أن مؤشرات الضغط المالي لم تظهر بالحدة نفسها التي يمكن توقعها في أزمة ائتمانية أو أزمة سيولة حقيقية في سوق السندات.
وبالتالي، لا يزال من المحتمل أن تكون موجة بيع السندات طويلة الأجل عالمياً ناتجة بصورة رئيسية عن إعادة تقييم أسعار الفائدة الأساسية، أكثر من كونها انعكاساً لتراجع الثقة في الجدارة الائتمانية للحكومات أو سيولة السندات السيادية.
ومع اقتراب شهر نوفمبر، يرى ويلر أن احتمال تفوق أداء سندات الخزانة على عقود المقايضة يظل قائماً، ما يبقي سوق الديون الأميركية أمام مرحلة جديدة من الاختبار.


