مايكروسوفت: الخليج العربي يحوّل فائض الطاقة إلى قوة في سباق الذكاء الاصطناعي

︎︎ ︎︎ ︎︎︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎ ︎︎

لم تعد ثروة الطاقة في دول الخليج تقتصر على النفط والغاز، إذ بدأت الكهرباء تبرز كأحد أهم الموارد في سباق الذكاء الاصطناعي، مع تنامي الحاجة إلى الطاقة لتشغيل مراكز البيانات ودعم القدرات الحاسوبية.

وتمنح هذه المعادلة دول الخليج فرصة للاستفادة من ميزتها التقليدية في قطاع الطاقة لبناء اقتصاد جديد يعتمد على التكنولوجيا والابتكار والمعرفة.

ولا تقتصر أفضلية المنطقة على توافر الطاقة والسيولة المالية والبنية التحتية، بل تمتد إلى وجود توجه حكومي واضح يضع الذكاء الاصطناعي ضمن محاور خطط التحول الاقتصادي في عدد من دول المنطقة، أبرزها السعودية والإمارات وقطر والكويت.

- Advertisement -

وتعمل هذه الدول على الانتقال من مجرد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى بناء منظومات محلية متكاملة تشمل مراكز البيانات والنماذج والتطبيقات، من خلال شراكات تجمع الشركات الوطنية مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية.

مايكروسوفت: الخليج يملك رؤية طويلة الأجل

قال نعيم يزبك، رئيس مايكروسوفت في الشرق الأوسط وإفريقيا، في مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية، إن التطور الذي حققته دول الخليج خلال السنوات الخمس الماضية لم يكن نتيجة قرارات قصيرة الأجل، وإنما جاء ثمرة رؤى استراتيجية وجهت الاستثمارات نحو القطاعات التي يُتوقع أن تشكل ملامح الاقتصاد مستقبلاً، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

وأوضح يزبك أن ما يميز التجربة الخليجية هو تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء أساسي من الأجندة الاقتصادية للقيادات في السعودية والإمارات وقطر والكويت.

ويرى أن هذا الاهتمام الرسمي يمنح المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي زخماً أكبر، لأنها لم تعد تعتمد فقط على قرارات الشركات، بل أصبحت مرتبطة باستراتيجيات وطنية طويلة الأجل.

وقال يزبك: «برأيي، المستقبل لهذه الدول».

- Advertisement -

الطاقة.. ورقة الخليج الأقوى في سباق مراكز البيانات

تُعد الطاقة واحدة من أبرز نقاط القوة التي يمكن لدول الخليج توظيفها في صناعة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً أن تشغيل النماذج والتطبيقات الحديثة يحتاج في الخلفية إلى مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات متزايدة من الكهرباء.

ولا تقتصر احتياجات هذه المراكز على تشغيل الخوادم، إذ تحتاج أيضاً إلى كميات كبيرة من الطاقة لأنظمة التبريد والبنية التحتية المساندة.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك مراكز البيانات حول العالم من نحو 415 تيراواط ساعة في عام 2024 إلى قرابة 945 تيراواط ساعة بحلول 2030، مع كون الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات وراء هذا النمو.

وبحسب يزبك، تستطيع دول الخليج الاستفادة من مواردها وخبرتها الطويلة في قطاع الطاقة لتطوير قدرات حاسوبية تخدم أسواقها المحلية، وتمتد إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا.

كما يمنح توفر التمويل وسرعة تنفيذ المشاريع، إلى جانب وجود توجه مشترك بين الحكومات والمؤسسات، المنطقة قدرة أكبر على جذب شركات التكنولوجيا العالمية.

لكن القيمة الاقتصادية لا تتوقف عند بناء وتشغيل مراكز البيانات، إذ تبدأ المرحلة الأهم عندما تتحول الطاقة إلى قدرة حاسوبية، ثم إلى تطبيقات وخدمات ومنتجات قادرة على رفع الإنتاجية وخلق فرص اقتصادية جديدة.

الإمارات توسع استثماراتها في البنية السحابية والذكاء الاصطناعي

في الإمارات، تبرز مجموعة G42 كإحدى الشركات الوطنية التي تؤدي دوراً رئيسياً في ربط التكنولوجيا العالمية بالأولويات المحلية.

وتوسعت شراكة مايكروسوفت مع المجموعة لتشمل الاستثمار المباشر والبنية السحابية ومراكز البيانات. وفي عام 2024، استثمرت مايكروسوفت 1.5 مليار دولار في G42 ضمن شراكة تستهدف تسريع تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق الخدمات إلى أسواق أخرى.

كما امتد التعاون إلى مجال الحوسبة السحابية السيادية، التي تتيح للمؤسسات الحكومية والقطاعات الخاضعة للتنظيم استخدام خدمات الذكاء الاصطناعي مع مراعاة متطلبات أمن البيانات والخصوصية.

وأعلنت مايكروسوفت وG42 كذلك إضافة 200 ميغاواط إلى قدرات مراكز البيانات في الإمارات، على أن يبدأ تشغيلها تدريجياً قبل نهاية عام 2026.

وتدعم هذه المشاريع توجه الإمارات إلى بناء بنية رقمية متطورة قادرة على خدمة المؤسسات داخل الدولة، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.

السعودية تراهن على توطين الذكاء الاصطناعي

في السعودية، تركز شراكة مايكروسوفت مع شركة «هيومين» على توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامها داخل المؤسسات وبين المستخدمين.

ووصف يزبك التعاون مع «هيومين» بأنه شراكة مع المملكة على نطاق أوسع، نظراً إلى الدور الذي تؤديه الشركة، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، في تنفيذ توجه السعودية لبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي.

وتجمع الشراكة بين خبرات مايكروسوفت ومنصاتها العالمية، والتقنيات التي تطورها «هيومين» محلياً، إلى جانب معرفتها باللغة العربية واحتياجات السوق السعودية.

ومن بين أبرز محاور التعاون إتاحة نماذج «علّام» العربية التابعة لـ«هيومين» عبر منصة «مايكروسوفت فاوندري»، بما يتيح للمطورين والمؤسسات بناء تطبيقات ووكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على التعامل مع اللغة العربية والسياقات الإقليمية.

كما يمكن توظيف قدرات «علّام» داخل «مايكروسوفت 365 كوبايلوت» لتطوير وكلاء متخصصين قادرين على تنفيذ مهام مرتبطة بالعمليات اليومية للمؤسسات، بدلاً من الاعتماد فقط على مساعد عام منفصل عن بيانات الشركة وأنظمتها.

وخلال مؤتمر «ليب 2026»، وسعت الشركتان نطاق التعاون ليشمل دمج «هيومين وان» مع «مايكروسوفت 365 كوبايلوت» ضمن حزمة إنتاجية مخصصة للشركات، مع استهداف الوصول إلى مليون مستخدم في الشرق الأوسط وإفريقيا خلال المرحلة الأولى.

وتعمل «هيومين وان» كمنصة موحدة تتيح للموظفين التعامل مع تطبيقات المؤسسة وبياناتها ومسارات العمل عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع خطط لتوسيع الاستخدام ليشمل الموارد البشرية والمالية والمشتريات وتكنولوجيا المعلومات.

كما يتضمن التعاون توفير فرق هندسية من الشركتين للعمل بشكل مباشر مع المؤسسات، بهدف تحديد الاستخدامات المناسبة للذكاء الاصطناعي ودمج الحلول الجديدة داخل الأنظمة القائمة.

وبذلك، لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في تجربة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما في الانتقال بها إلى مرحلة الاستخدام الفعلي وتحقيق نتائج ملموسة على مستوى الإنتاجية وسرعة إنجاز الأعمال.

الذكاء الاصطناعي فرصة للدول الأقل ثراءً أيضاً

رغم المزايا التي تتمتع بها دول الخليج في الطاقة والتمويل والبنية التحتية والتخطيط الاستراتيجي، يرى يزبك أن الفرصة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الاقتصادات الغنية.

فليس من الضروري أن تقوم كل دولة ببناء مراكز بيانات ضخمة أو تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أساسية تتطلب استثمارات كبيرة.

ويمكن للدول ذات الموارد المحدودة الاستفادة من القدرات الحاسوبية المتاحة في أسواق أخرى، والتركيز بدلاً من ذلك على ما يعرف بـ«طبقة القيمة»، أي تطوير التطبيقات والخدمات التي تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويمكن توظيف هذه التطبيقات في قطاعات متعددة، بينها الصحة والتعليم والتمويل والزراعة والخدمات الحكومية.

وأكد يزبك أن «الذكاء الاصطناعي فرصة لكل الدول»، مشيراً إلى أن الاقتصادات ذات الإمكانات المالية المحدودة تستطيع توجيه استثماراتها نحو تطوير المهارات والعقول، بما يساعدها على إنتاج برامج وخدمات قابلة للتصدير وخلق مصادر جديدة للنشاط الاقتصادي.

وبذلك، يبدو أن معادلة القوة الاقتصادية في الخليج بدأت تتغير؛ فالثروة لم تعد تقاس فقط بحجم إنتاج النفط والغاز، بل بقدرة الدول على تحويل الطاقة إلى حوسبة، والحوسبة إلى ذكاء اصطناعي، والذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد جديد.

Exit mobile version