استعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ، توجه إدارته تجاه الذكاء الاصطناعي، في يوم جمع بين الترويج لروبوت المحادثة الحكومي الجديد واستضافة كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا داخل البيت الأبيض، بالتزامن مع الإعلان عن اتفاق طوعي قال إنه يستهدف معالجة المخاوف المتزايدة بشأن سلامة هذه التكنولوجيا.
وتعكس هذه الخطوة محاولة من ترامب لإظهار اهتمام إدارته بالمخاوف المتزايدة لدى الأميركيين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، مع تجنب فرض قيود قد تؤثر في سرعة تطوير التكنولوجيا، بحسب مدافعين عن سلامة الذكاء الاصطناعي.
اتفاق للسلامة بمشاركة 6 شركات تكنولوجية
يشمل اتفاق السلامة الذي أُبرم مع ست شركات تكنولوجية كبرى هي «إنفيديا» و«سبيس إكس» و«أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا» و«غوغل» التابعة لـ«ألفابت»، التزاماً بمجموعة من الإجراءات المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي.
لكن الاتفاق لا يحدد عواقب واضحة في حال قررت أي من الشركات عدم الالتزام به، فيما وصف ترامب الاتفاق بأنه «ملزم أخلاقياً».
وقالت كات دافي، التي تدير فريقاً للذكاء الاصطناعي في «مجلس العلاقات الخارجية» غير الحزبي، إن الخطوة تبدو محاولة لإعطاء انطباع بأن الحكومة تستمع إلى المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من دون تغيير الموقف المعلن للإدارة، والقائم على أن التنظيم والحوكمة يمكن أن يعرقلا الابتكار بطبيعتهما.
مخاوف متزايدة من سلامة الذكاء الاصطناعي
تصاعد القلق العام في الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة بشأن الذكاء الاصطناعي، وكذلك بشأن النفوذ الكبير الذي باتت تتمتع به مجموعة محدودة من الأشخاص والشركات في هذا القطاع.
وبحسب استطلاع أجرته «رويترز» و«إبسوس» ونُشر في 22 سبتمبر/أيلول، قال ثلاثة أرباع الأميركيين إنهم يشعرون بالقلق من أن شركات الذكاء الاصطناعي لم تفعل ما يكفي لمنع التكنولوجيا من التسبب في أضرار جسيمة للمجتمع.
كما زادت سلسلة من الحوادث الأمنية المخاوف بشأن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة على التصرف بطرق غير متوقعة.
وفي يوليو/تموز، خرج مئات من وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعين لـ«أوبن إيه آي» من بيئة الاختبار الخاصة بهم، وهاجموا البنية التحتية لمنصة الذكاء الاصطناعي «هاغينغ فيس».
وفي أوائل سبتمبر/أيلول، استقال الباحث في «أنثروبيك» جاكوب كوكسون، قائلاً إن الأشخاص الذين يطورون الذكاء الاصطناعي يعتقدون أنه «قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد». وأثارت تصريحاته، إلى جانب تصريحات أخرى، دعوات جديدة من مشرعين أميركيين لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
ترامب يرفض القيود خوفاً على المنافسة مع الصين
رغم تصاعد هذه المخاوف، قلل ترامب إلى حد كبير من أهميتها، مؤكداً أن فرض قيود حكومية جديدة قد يجعل الشركات الأميركية أقل قدرة على منافسة نظيراتها الصينية.
وكرر الرئيس الأميركي أن أجهزة إنفاذ القانون، ومنها وزارة العدل، توفر بالفعل ضوابط كافية، وأن هناك حاجة محدودة إلى قواعد جديدة.
كما وجّه إدارته إلى استخدام مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي»، في إطار مسعى لتحسين صورة التكنولوجيا التي لا تحظى بشعبية واسعة.
ووصل الجدل حول مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى برامج الكوميديا الليلية، إذ سخر برنامج «ساترداي نايت لايف» في أواخر سبتمبر/أيلول من داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» وأحد أبرز الأصوات في قطاع التكنولوجيا التي تحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استعداد الشركة لطرح عام لأسهمها قد يقيّمها عند تريليوني دولار.
وجسدت الممثلة جين ويكلين شخصية أمودي خلال البرنامج، وقالت في هذا الدور: «الذكاء الاصطناعي ليس سلاحاً، بل أداة: أداة لصنع الأسلحة، وأحثكم على حثي على التوقف».
اتفاق الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات حول آليات التنفيذ
يتضمن الاتفاق الموقع الثلاثاء عدداً من الإجراءات التي طالب بها مدافعون عن سلامة الذكاء الاصطناعي، من بينها الدعوة إلى وضع «ضوابط داخلية قوية» لمنع عمليات الاختراق غير المصرح بها، إلى جانب التعاون مع «مدققين خارجيين مستقلين».
وأصبحت هذه المفاهيم جزءاً من مشاريع قوانين على مستوى الولايات والحكومة الفيدرالية، فيما أقرت كاليفورنيا في سبتمبر/أيلول أول قانون على مستوى الولايات يضع قواعد لكيفية تقييم المدققين المستقلين لمنتجات الذكاء الاصطناعي.
لكن وثيقة البيت الأبيض، التي جاءت في صفحة واحدة، لم تتضمن تفاصيل محددة بشأن آليات تنفيذ الاتفاق أو كيفية فرض الالتزام ببنوده.
وقال مسؤول في البيت الأبيض، في بيان، إن الاتفاق سيعمل على «تعزيز الابتكار الأميركي ودعم التطوير المسؤول» لنماذج الذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع أن يعيّن ترامب مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون مستشاراً رئيسياً له لشؤون الذكاء الاصطناعي، وهو المنصب الذي أُطلق عليه اسم «قيصر الذكاء الاصطناعي»، وفقاً لما أوردته «رويترز» سابقاً، مع استمرار كلايتون في منصبه على رأس أجهزة الاستخبارات الأميركية.
خلاف حول استقلال المدققين
رحّب النائب الديمقراطي رو خانا، الذي يمثل وادي السيليكون، بفكرة الاستعانة بـ«المدققين المستقلين»، لكنه قال إن هؤلاء المدققين ينبغي أن يتبعوا وكالة فيدرالية مستقلة.
وأضاف: «لا يمكن أن يكونوا مجرد مدققين يقدمون تقاريرهم إلى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، أو داريو أمودي».
وأوضح خانا أن مخاوفه ترتبط بثقته بأن الرئيس يعتمد على أشخاص لديهم «دافع ربحي كبير»، وقد لا يمتلكون الحكم اللازم للحفاظ على السلامة.
في المقابل، قال المستثمر في رأس المال الجريء ديفيد ساكس، الذي يقدم المشورة لترامب بشأن الذكاء الاصطناعي ويدافع عن تطويره من دون قيود، على منصة «إكس»، إن قوانين الأوراق المالية وغيرها من السلطات القانونية يمكن أن تعاقب الشركات التي تفشل في معالجة المشكلات التي تكشفها الضوابط الداخلية أو المدققون.
لكن مدافعين عن سلامة الذكاء الاصطناعي قالوا لـ«رويترز» إن هذه السلطات لا تستطيع سوى التعامل مع الأضرار بعد وقوعها، مؤكدين أن المخاطر تتطلب إجراءات وقائية تهدف إلى منع وقوع أضرار واسعة النطاق قبل حدوثها.
ومع ذلك، رأى بعض المراقبين للقطاع أن مجرد استضافة هذا الحدث في البيت الأبيض يمثل مؤشراً إلى أن ترامب بدأ يستوعب حجم المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وقال صامويل هاموند، مدير سياسات الذكاء الاصطناعي في «مؤسسة الابتكار الأميركي» المحافظة، إن اتفاق ترامب مع المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا يمثل «تحولاً نحو الاعتراف بوجود مخاوف خطيرة تتعلق بالسلامة والأمن تستحق تنسيقاً أوثق بين الشركات».






