تستعد تركيا لاستضافة قمة الأمم المتحدة للمناخ COP31، التي تنطلق الاثنين المقبل في مدينة أنطاليا، وسط مساعٍ لتوسيع قدراتها في الطاقة المتجددة، إلا أن هذا التوجه لا يزال يصطدم باستمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، ولا سيما الفحم الذي يحتفظ بموقعه كأكبر مصدر لتوليد الكهرباء في البلاد.
وتبرز محطة «تشاتالجا» لطاقة الرياح، الواقعة على تلة تبعد نحو ساعة بالسيارة شمال غربي إسطنبول، نموذجاً مبكراً لهذا التوسع. فمنذ بدء تشغيلها قبل 18 عاماً، تعمل المحطة بقدرة مركبة تبلغ 93 ميغاواط، وتنتج سنوياً نحو 287 مليون كيلوواط/ساعة، وهي كمية تكفي لتلبية احتياجات قرابة 115 ألف منزل.
وتؤكد شركة «سانكو إنرجي»، المشغلة للمحطة، أن إنتاجها من الكهرباء النظيفة يساهم في تجنب انبعاث نحو 185.9 ألف طن من الكربون سنوياً، عبر توفير طاقة من الرياح بدلاً من الكهرباء التي كان يمكن توليدها باستخدام الوقود الأحفوري.
وبعد قرابة عقدين على تشغيل «تشاتالجا»، ارتفع عدد مزارع الرياح في تركيا إلى نحو 300 مزرعة، بالتوازي مع نمو قدرات الطاقة المتجددة. ووفق بيانات مركز أبحاث الطاقة «إمبر»، وفرت المصادر النظيفة 43% من إجمالي الكهرباء المولدة في البلاد خلال العام الماضي، فيما شكلت طاقتا الرياح والشمس 22% من الإنتاج.
تركيا تستهدف 120 غيغاواط من الشمس والرياح بحلول 2035
تعمل الحكومة التركية على تسريع نمو قطاع الطاقة النظيفة، إذ أعلن وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار خطة لزيادة القدرات المركبة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى ثلاثة أمثالها، لترتفع من نحو 40 غيغاواط حالياً إلى 120 غيغاواط بحلول عام 2035.
لكن تحقيق هذا الهدف لا يعني بالضرورة تراجع الاعتماد على الفحم، في ظل استمرار تشغيل المحطات القائمة والتوجه إلى بناء محطات جديدة تعمل بهذا الوقود، من دون إعلان موعد محدد للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
وتشير بيانات وزارة الطاقة التركية إلى أن محطات الفحم وفرت نحو 33.5% من إجمالي الكهرباء المولدة في البلاد خلال عام 2025، بينما تقدر «إمبر» أن ما يقرب من ثلثي الفحم المستخدم مستورد.
وفي هذا السياق، اعتبرت دويغو كوتلواي، من منظمة «Beyond Fossil Fuels»، أن استمرار الاعتماد على الفحم بالتزامن مع خطط زيادة قدراته يكشف عن تناقض في سياسة الطاقة التركية. وأوضحت أن زيادة إنتاج الكهرباء المتجددة لا تكفي وحدها لتحقيق تحول فعلي ما دام الفحم يحتفظ بموقعه كأكبر مصدر لتوليد الكهرباء.
وشددت كوتلواي على ضرورة أن تحل الطاقة المتجددة محل الإنتاج القائم على الوقود الأحفوري، لا أن تقتصر وظيفتها على تلبية الزيادة في الطلب على الكهرباء، إلى جانب وضع خطة واضحة للتخلص التدريجي من الفحم.
وكان بيرقدار قد أوضح في فبراير الماضي أن أولويات أنقرة تتمثل في ضمان إمدادات الطاقة بأسعار مناسبة وتقليص الاعتماد على الواردات، لافتاً إلى إمكانية إحلال الغاز الطبيعي محل الفحم على المدى القريب، والطاقة النووية على المديين المتوسط والطويل.
التخزين والطاقة النووية.. عقبات أمام تقليص الاعتماد على الفحم
يرتبط استمرار استخدام الفحم، وفق خبراء في قطاع الطاقة، بالحاجة إلى مصادر توليد مستقرة قادرة على توفير الكهرباء على مدار الساعة، في وقت يشهد فيه الطلب التركي نمواً متزايداً.
وقال أمين إمراه دانيس، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات «MOBEN»، إن هذه الاعتبارات دفعت تركيا إلى الاستثمار بكثافة في محطات الغاز والفحم خلال العقود الثلاثة الماضية، مشيراً إلى أن خفض حصة الفحم بصورة ملموسة يتطلب استثمارات كبيرة في أنظمة تخزين الكهرباء والطاقة النووية، بما يتيح دمج كميات أكبر من إنتاج الشمس والرياح في شبكة الكهرباء.
وتقترب تركيا من استكمال المفاعل الأول في محطة «آق قويو» النووية، التي يُتوقع أن تبدأ تشغيلها بحلول مطلع عام 2027، بحسب تصريحات بيرقدار خلال قمة للطاقة الأسبوع الماضي.
لكن دانيس يرى أن التوسع النووي، بما يشمل خطط إنشاء محطتين إضافيتين، لن يوفر على الأرجح قدرة توليد أساسية كافية لتعويض الكهرباء المنتجة من الفحم قبل نحو عام 2040. وتوقع استمرار الاعتماد على الفحم لعقود، معتبراً أن التخلي الكامل عنه قد لا يكون ممكناً قبل منتصف خمسينيات القرن الحالي، في ظل الحاجة إلى مصادر مستقرة لتوليد الكهرباء والاعتماد على واردات الطاقة.
وتستورد تركيا كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي والفحم من دول بينها روسيا وإيران وأذربيجان، ما يجعل تنويع مصادر الطاقة المحلية أحد العوامل المهمة لتعزيز أمن الإمدادات وتقليل التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية.
من جهته، أكد إبراهيم إردن، رئيس جمعية طاقة الرياح التركية، أهمية تحديث البنية التحتية لقطاع الكهرباء، موضحاً أن الشبكة والتجهيزات الحالية لا تتيح إغلاق محطات الفحم بشكل فوري والاعتماد حصرياً على طاقتي الرياح والشمس.
وأضاف أن توسيع إنتاج الطاقة المتجددة لا يقتصر أثره على مواجهة تغير المناخ، بل يمتد إلى تعزيز أمن الطاقة وتقليص الاعتماد على الإمدادات الخارجية.
وبذلك، تواجه تركيا معادلة مزدوجة مع اقتراب استضافتها قمة COP31: زيادة إنتاج الكهرباء النظيفة من جهة، وتوفير بدائل مستقرة للفحم وتحديث شبكة الكهرباء من جهة أخرى، في ظل غياب جدول زمني واضح للتخلص من الوقود الأحفوري.


