لم تكن الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 مجرد محطة عابرة في مسار سوق دمشق للأوراق المالية، بل شهدت أداءً استثنائياً شحنت فيه السيولة شرايين البورصة وانتعشت به المؤشرات.
حركة دؤوبة قادها قطاعا البنوك والصناعة، وتوّجتها سلسلة صفقات ضخمة نجحت في إعادة رسم خريطة الملكيات الهيكلية داخل عدد من الشركات المدرجة، ولا سيما في القطاع المصرفي.
شريط الأرقام التراكمي: حصاد كانون الثاني حتى أيلول 2026
عند استقراء البيانات التراكمية الممتدة من بداية كانون الثاني وحتى إسدال الستار على شهر أيلول 2026، تتجلى ضخامة الحصاد؛ إذ تدفقت سيولة إجمالية تجاوزت حدود 8.65 مليارات ليرة سورية، عبر تداول ما يزيد على 125.9 مليون سهم جرت مبادلتها من خلال 35,182 صفقة، لتقفز القيمة السوقية للشركات المدرجة وتستقر عند ناهز 259.6 مليار ليرة سورية.
سباق المؤشرات: مكاسب قوية وتبايُنات عميقة
الانتعاش الذي ساد أروقة البورصة انعكس جلياً على لوحة المؤشرات الرئيسية التي صعدت بخطى واثقة:
مؤشر DWX: سجّل تحليقاً بنسبة 7.18% منذ مطلع العام، ليرتقي إلى مستويات 148 ألف نقطة.
مؤشر DLX: أظهر قفزة نمو أكثر وزناً بلغت 28.66%.
مؤشر DIX: اعتلى منصة التتويج محققاً الصعود الأكبر بنسبة 29.2%.
وعلى الرغم من أن هذه المكاسب الملونة بالأخضر تعكس تحسناً ملموساً في القيمة السوقية للأسهم، إلا أنها تهمس بحقيقة أخرى؛ إذ تكشف عن تباين صارخ بين القطاعات، بعد أن احتكرت أعداد محدودة من الأسهم نصيب الأسد من التداولات وجذبت معظم السيولة المتاحة.
الصفقات الضخمة: المحرّك الخفي للسيولة
رغم أن قاعة التداول ضجّت بأكثر من 35 ألف صفقة منذ بداية العام، إلا أن النبض الحقيقي للسيولة لم ينبع من التداولات اليومية الاعتيادية.
فقد بلغت قيمة التداولات العادية زهاء 1.64 مليار ليرة فقط، بينما التهمت الصفقات الضخمة المقدار الأكبر بقيمة قاربت 7 مليارات ليرة تم تنفيذها عبر 90 صفقة فقط. وهذا يعني أن هذه العمليات الاستثنائية استحوذت وحدها على نحو 81% من إجمالي قيمة التداولات خلال الأشهر التسعة.
تلك الأرقام تعيد التذكير بأن الحركة الاستثنائية لعام 2026 لم تتغذَّ فقط على مضاربات الأفراد، بل كانت نتاج تحركات استراتيجية ونقل ملكيات ثقيلة بين كبار المستثمرين والمؤسسات.
صورة السوق: تركز في النطاق وحركة الأسعار
لا تكتمل اللوحة بقراءة السيولة وحدها، إذ تُظهر التفاصيل تفاوتاً في اتساع رقعة النشاط:
من أصل 27 شركة شملها التقرير، دخلت 19 شركة فقط ميدان التداول الفعلي، بينما بقيت أسهم 8 شركات في حالة ركود تام دون أي تداول. وعلى صعيد الاتجاه السعري، تمكنت 6 أسهم فقط من حصد ارتفاعات في أسعارها بين بداية الفترة ونهايتها، بينما انزلقت 13 شركة نحو التراجع من بين الأسهم التي شهدت تداولاً. وهو ما يؤكد أن دفء النشاط لم يلمس الجميع بالقدر نفسه.
صدارة القطاعات: الصناعة والبنوك يقتسمان المشهد
القطاع الصناعي (في المرتبة الأولى): تزعم المشهد بتداولات تجاوزت 5 مليارات ليرة، حيث كان سهم “أسمنت البادية” العرّاب الأول لهذا التحول برصيد تداولات تجاوز وحده 5 مليارات ليرة، متوجاً رحلته بوزن سعري زاد بنسبة 50% منذ بداية العام.
قطاع البنوك (في المرتبة الثانية): جاء ثانياً بقيمة تداول بلغت نحو 3.55 مليارات ليرة، حاصداً أكثر من 41% من سيولة السوق، بفضل ديناميكية واضحة على أسهم: شهبا بنك، بنك قطر الوطني سورية، المصرف الدولي للتجارة والتمويل، وبنك البركة سورية.
القطاعات الظليلة: ظل حضور قطاعي التأمين والخدمات خجولاً؛ إذ لم تتعدَّ تداولات التأمين حدود 9.6 ملايين ليرة، والخدمات نحو 22.2 مليون ليرة، في حين خيم الصمت التام على شركات الاتصالات دون تسجيل أي صفقة.
صفقة “شهبا بنك”.. الزلزال التكتيكي للعام
في 17 أيلول 2026، كانت البورصة على موعد مع إحدى أثقل الصفقات وزناً؛ حيث شهدت نقل ملكية حصص شاسعة من أسهم “شهبا بنك” لصالح “شركة مصارف القابضة”.
وطبقاً للإفصاحات الرسمية، شملت إعادة الهيكلة نقل:
17,869,422 سهماً من بنك بيمو السعودي الفرنسي (تُمثل 6.67% من رأس المال).
11,920,418 سهماً من بنك الائتمان الأهلي (تُمثل 4.52% من رأس المال).
وبموجب هذا الاستحواذ، قفزت حصة “شركة مصارف القابضة” لتصل إلى 29,789,840 سهماً، وهو ما يعادل 48.68% من إجمالي رأس مال شهبا بنك. وقد أيدت إفصاحات بنك بيمو وبنك الائتمان الأهلي إتمام البيع عبر شباك الصفقات الضخمة في اليوم ذاته.
مثّلت هذه المحطة إحدى أكبر عمليات إعادة تشكيل الملكية في عام 2026، وضخت دماء جديدة في شرايين سيولة القطاع المصرفي، مكرسةً دور بورصة دمشق كمنصة مركزية لإعادة هيكلة الاستثمارات الكبرى.
نجوم الشاشة: شهبا بنك وأسمنت البادية
أفرزت الأشهر التسعة نجماً ساطعاً في التداولات وهو سهم “شهبا بنك”، بعدما حلق سعره بنسبة 104%، بجمعه تداولات بقيمة 1.69 مليار ليرة. وجاء سهم “أسمنت البادية” ليشاركه البطولة بارتفاع تجاوز 50% واستحواذ على أكبر قيمة تداول إجمالية.
على الجانب الآخر، تجرعت بعض الأسهم المصرفية مرارة التراجع بنسب متفاوتة، ومنها: بنك البركة سورية، بنك الأردن سورية، بنك الشرق، وبنك قطر الوطني سورية، مما عمّق حالة التباين في المشهد السعري.
