تعمل الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في وزارة الزراعة على تطوير سلالات سورية محلية من الفطر البري، من خلال دراسة تنوعه الوراثي وتحديد الأنواع الأكثر تميزاً من حيث الإنتاجية والقيمة الغذائية، في خطوة تهدف إلى استثمار الموارد الطبيعية السورية وتقليل الاعتماد على البذار المستورد مرتفع التكلفة.
وتسعى الأبحاث إلى اختيار سلالات محلية قابلة للإنتاج التجاري، تتمتع بقدرة على التكيف مع الظروف البيئية في سوريا، بما يفتح المجال أمام خفض تكاليف زراعة الفطر وتحسين العائد الاقتصادي للمنتجين.
وأوضح الباحث في إدارة بحوث البستنة بالهيئة موفق جبور، في تصريح لوكالة سانا، أن الجولات الحقلية المنفذة خلال السنوات الأخيرة كشفت عن تنوع وراثي واسع للفطر البري وانتشاره في مناطق جغرافية متعددة، الأمر الذي يستدعي تعريف الأنواع الموجودة وتصنيفها ودراسة خصائصها، بهدف الحفاظ عليها واستثمارها بصورة مستدامة.
وأشار إلى أن القيمة الغذائية والطبية لبعض أنواع الفطر، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الهجن والسلالات الأجنبية، دفعت إلى تكثيف البحث عن سلالات محلية ذات مواصفات إنتاجية ونوعية جيدة، موضحاً أن الدراسات تركز بصورة رئيسية على الفطر المحاري والفطر الزراعي الأبيض.
5 سلالات من الفطر المحاري بخصائص إنتاجية متميزة
في إطار دراسة الفطر المحاري، جرى جمع وفحص 17 سلالة برية من مناطق مختلفة، ولا سيما جنوب غرب حماة، حيث أظهرت اختلافات شكلية واضحة نتيجة انتشارها في بيئات متنوعة.
وبحسب جبور، كشفت التجارب عن تميز خمس سلالات بخصائص إنتاجية ونوعية جيدة، تضاهي أو تتفوق على بعض السلالات التجارية، إذ تراوح متوسط إنتاجيتها بين 240 و325 غراماً لكل كيلوغرام من التبن الجاف.
كما سجلت هذه السلالات كفاءة حيوية تراوحت بين 84 و110 بالمئة، فيما بلغ محتواها من البروتين بين 19 و33 بالمئة.
وتتواصل حالياً أعمال حفظ هذه السلالات واستكمال دراستها وتحديد هويتها الوراثية، تمهيداً لاختيار الأفضل منها واعتمادها رسمياً، بالتوازي مع جمع أنواع جديدة من الفطور البرية المأكولة والطبية واستزراعها وتقييم خصائصها.
33 سلالة من الفطر الأبيض تدخل مرحلة الدراسة
وفيما يتعلق بالفطر الزراعي الأبيض، كشف جبور عن جمع نحو 50 عزلة من الفطر الأبيض البري في مناطق من ريف حمص الغربي، نجح الباحثون في تنقية 33 سلالة منها واستزراعها، وصلت ست سلالات إلى مرحلة الإثمار، رغم الصعوبات الفنية المرتبطة بزراعة هذا النوع.
وأوضح أن السلالات الست جرى توصيفها وتحديد هويتها الوراثية، كما سُجلت في بنك الجينات الدولي (GenBank) التابع للمركز الوطني الأمريكي لمعلومات التقانة الحيوية (NCBI)، ومنحت كل منها رقماً خاصاً لتوثيق هويتها الجينية.
مراحل علمية لتحويل الفطر البري إلى إنتاج تجاري
من جهتها، أوضحت الباحثة لونا أحمد أن تحويل السلالات المحلية من صورتها البرية إلى سلالات قابلة للاستخدام التجاري يحتاج إلى سلسلة من المراحل العلمية، تبدأ بالمسح الميداني وجمع العينات من مناطق مختلفة، ثم عزلها وتنقيتها مخبرياً والحفاظ على نقاوتها.
وتتضمن هذه العملية التوصيف المورفولوجي والمجهري والجزيئي لتأكيد نوع الفطر وهويته الوراثية، وإنتاج البذار وفق بروتوكولات محددة، قبل الانتقال إلى تجارب الاستزراع على الركائز المناسبة.
وتشمل المراحل التالية قياس الإنتاجية والكفاءة الحيوية ومقارنتها بالسلالات المستوردة، وصولاً إلى انتخاب السلالات الأفضل واعتمادها رسمياً، تمهيداً للتوسع في إنتاجها تجارياً ونقل تقنيات زراعتها إلى المزارعين.
ارتفاع التكاليف وقصر مدة الصلاحية أبرز تحديات زراعة الفطر
ولفتت أحمد إلى أن زراعة الفطر في سوريا تواجه تحديات إنتاجية وتسويقية وفنية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار البذار المستورد، إلى جانب تراجع إنتاجيته.
وأضافت أن قصر مدة صلاحية الفطر الطازج، التي لا تتجاوز 24 ساعة، يشكل عقبة أمام التخزين والتسويق، خصوصاً في ظل محدودية الطلب وضعف انتشار ثقافة استهلاكه.
الفطر الريشي.. أبحاث سورية على الأنواع الطبية
بدورها، أكدت الباحثة بشرى هولا أن السلالات المحلية يمكن أن تشكل بديلاً مكملاً للسلالات المستوردة مرتفعة الثمن، بفضل قدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المحلية، ما يتيح للمنتجين فرصة تقليل النفقات وتحسين العائد الاقتصادي، مع ضرورة الحفاظ على كفاءتها وحيويتها.
وأشارت إلى أن الأبحاث تشمل أيضاً سلالات محلية من الفطر الريشي، الذي يُعد من أبرز أنواع الفطر الطبية المزروعة عالمياً، حيث يجري تقييمها من حيث الإنتاجية والتركيب الكيميائي والنشاط المضاد للأكسدة.
وأظهرت النتائج الأولية احتواء هذه السلالات على مستويات مرتفعة من المركبات النشطة بيولوجياً، ما قد يجعلها مصدراً طبيعياً مهماً لمضادات الأكسدة، على أن تستكمل الدراسات لتحديد خصائصها وإمكانات الاستفادة منها.
زراعة الفطر في سوريا.. تجارب بدأت عام 1976
وتعود البدايات الأولى لإدخال الفطر الزراعي إلى سوريا إلى عام 1976، عندما أطلقت مديرية البحوث العلمية الزراعية في وزارة الزراعة تجاربها بعد استيراد كميات محدودة من بذار الفطر من فرنسا.
وتطورت تلك المحاولات تدريجياً، إلى أن أنشأت مؤسسة الاتحاد العربي للتنمية الزراعية عام 1981 مفطرة في مزرعتها قرب الكسوة بريف دمشق، وظهر أول إنتاج لها في حزيران 1982، لتشكل إحدى المحطات المبكرة في مسيرة زراعة الفطر في سوريا.
